من أخطر مطبات الحروب الحديثة أن يظن الناشطُ على مواقع التواصل الاجتماعي أنه يمارس حرية الرأي أو ينقل الحقيقة، بينما هو في الحقيقة قد يكون أداة مبرمجة تتحرك وفق المنظومة النفسية للعدو.
فبقاء الإنسان لسنوات طويلة في مربع الاستهلاك العفوي لما تفرضه عليه الشاشات، دون أن ينتقل إلى موقع الوعي كحارس للجبهة التي يعمل فيها، دون أن يعيَ كل كلمة تدخل عقله أو تخرج من هاتفه، يعني تمامًا أن عقله وهاتفه قد جرت استباحتهما وبرمجتهما لصالح الغزو الفكري والإعلام المعادي دون وعي منه.
هذا التشخيص الدقيق هو تجسيد لتحذير إلهي صارم ورد في القرآن الكريم حين وصف الله تعالى طبقة من المخدوعين داخل الصف الداخلي بقوله: (سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك). والمعنى البليغ لكلمة "سماعون" هنا يتجاوز مجرد السماع العادي ليصل إلى حالة التلقي الدائم وفتح منافذ السمع والعقل للإشاعات والأراجيف على مدار الساعة، حتى يصير الناشط رادارًا مستقبلًا لأكاذيب العدو، ثم يتحول بسذاجته إلى جاسوس أو بوق مجاني ينقل تلك السموم إلى أبناء جلدته.
إن الجلوس أمام الشاشات لتلقي كذب المنصات المعادية وبثه فورًا تحت لافتة السبق هو عين ما حذر منه المولى عز وجل في موضع آخر بقوله: (وفيكم سماعون لهم)، أي إن هناك من يستمع لتثبيطِهم وتهويلِ
هم، فيتأثر به وينشره. وهذه التغذية المستمرة للطابور المنافق تعمل على برمجة العقل الوجداني للمجتمع، فيعتاد على مشاهد الانكسار والأكاذيب وتضخيم قوة العدو، حتى يتسلل الإحباط إلى النفوس، لهندسة الهزيمة الداخلية قبل أن تبدأ المعركة في الميدان.
على كل إعلامي وناشط أن يدرك أن معركة اليوم هي معركة وعي بالمقام الأول وليست معركة التلقي لما يأتي من الأعداء، وأن مسألة الخروج من مربع الاستهلاك المفروض إلى مربع الفاعلية هي واجب ديني وأخلاقي، يبدأ بإماتة الباطل والإشاعة عبر السكوت عنها وحظر نقلها، لتموت في مهدها.
فالقاعدة تقول: إن لم يكن منشورك وعملك في جبهة الإعلام رصاصات في صدور الأعداء تسحق معنوياتهم، فالالتزام بالصمت المطبق هو الحل الأنسب، حتى تقطع الطريق على آلته الإعلامية المتربصة بدينك وأمنك ومجتمعك.