تتجلّى في أفق العالم الإسلامي، مع إطلالة ذكرى مولد النور المبين -صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله- مشهديّةٌ نورانيّةٌ تتخطّى حدود الزمان والمكان، فتلتقي فيها أشواق القلوب بترانيم الفرح والسرور بفضل الله ورحمته، في امتدادٍ وجدانيٍّ وعمليٍّ خالدٍ على مدى أربعة عشر قرنًا؛ إذ تتجلّى هذه الذكرى العطرة في صورٍ شتّى تجوب بيوت المسلمين وأسواقهم، متدفّقةً بين العادات والطقوس الموروثة والأنشطة والفعاليات، ومزدانةً بالأضواء والمدائح التي تؤكّد رسوخ الصلة الإيمانيّة برسول الهدى.
غير أنّ التجربة اليمنيّة، فضلًا عن ذلك كلّه، تضفي على هذا الاحتفاء بُعدًا استثنائيًّا، إذ تنسج من ذكرى المولد النبوي الشريف وثيقةَ عهدٍ وميثاقَ شرفٍ مع الأرض والقضيّة، مع المسجد الأقصى المبارك والقدس الشريف، بوصفهما قضيّةَ عقيدةٍ وهويّةٍ إسلاميّةٍ راسخة، قبل أن يكونا مجرّد جغرافيا مغتصبة؛ فتستحضر الروح اليمنيّة في هذه الذكرى واجبات الحاضر وآفاق المستقبل بمنهجيّةٍ قرآنيّةٍ فريدة.
منهجٌ يعي أصحابه ضرورةَ غرسِ التاريخ الديني والتأصّل الروحي لفلسطين في أفئدة أجيالنا المتعاقبة، حتى تستبين لهم صورتها التامّة ومكانتها الغابرة والحاضرة، وما ينزل بها من رجس الاحتلال الصهيوني، صونًا للجذوة من الخمود، وحيلولةً دون أن تنقلب المأساة خبرًا عابرًا يطويه ازدحام الأيام، كما نرى أحيانًا في تناول بعض القنوات العربية لجراح غزة ونكباتها المتجدّدة.
وفي هذه الذكرى، لا بدّ لبلوغ غور القضية من استنهاض الوعي، بإحياء ذاكرة الأمة بجرائم الصهاينة الغاصبين، ووصايا الشهداء، ومآثر القادة الأبطال، ليظلّ إحساس الحق والواجب متّقدًا، يأبى الخنوع، مقترنًا بالاقتداء الصادق بالسيرة النبوية الزاهرة، وممتدًّا بأُسوةٍ حاضرةٍ تشهدها أرضُ غزّة؛ إذ يتجلّى المثالُ والقدوةُ في كلّ طفلٍ، وكلّ امرأةٍ، وكلّ شابٍّ، وكلّ شيخٍ، وكلّ مجاهدٍ، بل في كلّ شهيدٍ خطّ بدمه ملحمةَ الثبات على الثرى المقدّس.
هُنـا.. وفي مقام المناجاة والابتهال إلى الله سبحانه وتعالى، شكرًا لنعمة الهداية، ووفاءً ومحبّةً لرسوله الأعظم محمّد -صلّى الله عليه وآله-، لا بدّ للروح أن تستحضر طموحَ الأمّة وأملَها الصادق في يومٍ يُستردّ فيه الحقُّ المغصوب والأرضُ المسلوبة، وبقدر استعدادنا ليومٍ يُنتصف فيه للدماء الزكيّة والأسرى والمسرى والأرض المباركة، يكون استعدادُنا لهذه الذكرى واستقبالُنا لها.
هُنـــا.. حيث تجلّت بُذورُ النصر المؤزّر والفتح الموعود في محور الجهاد والمقاومة، وفي الإعداد لهما الذي لا يمكن أن يضيع أو يذهب سُدى، ترفض الجماهيرُ الوفيّة الخذلانَ، وتتمسّك بالرباط في سبيل الله، مؤكّدةً دورَ هذا الجيل في صنع التحرير، ليتسلّم الجيلُ القادم وطنًا عزيزًا يستظلّ بظلال كرامته، ويفخر بهُويّته، معتزًّا ببطولات سلفه وصبرهم وثباتهم على طريق الحقّ والحرّيّة.