{أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ}
لقد خلق اللهُ الحياةَ لحكمةٍ عظيمة تسعد العباد، وتُعْيْنُهم على الرشد والسداد، فسُنَنُه في هذه الحياة قائمةٌ على الصواب، وقوانينه قائمة على العدل والحساب، فهي مرحلة اختبار للعباد، فمن أحسن العمل فيها طاب له الحصاد، ومن أعرض عن منهج الله لم يظفر بالمراد.
ومن أبصر أن العاقبةَ للمتقين فآثرَها أدرك السلامةَ وأَمِنَ من الندامة.
ومن أعرض عن منهج الله وتكبَّر خاب وخسر، وندم وعثر، فهو من أهل البَطَر والشقاء.
فالبصيرُ من عرف ضرَّه من نفعه، واستفاد في يومه من أمسه، واحترز من كيد الشيطان وهمسه، وَاستعاذ بالله من وساوس نفسه.
فالحياة ذات غِيَر، فما صفا للمرء عيش يسر به إلا تبعه كدر يذل به،
أَتَظُنُّ أَنَّكَ فِي الحَيَاةِ مُخَلَّدُ؟ ** أَمْ أَنَّ مُلْكَكَ بِالعُتَاةِ يُشَيَّدُ؟
كَمْ مِنْ عَزِيزٍ طَالَ السَّحَابَ جَلاَلُهُ ** أَمْسَى ضَحِيَّةَ في القبور موَسَّدُ
تَفْنَى المَدَائِنُ وَالمُلُوكُ وَعِزُّهُمْ ** وَيَظَلُّ صَوْتُ الحَقِّ وَهْوَ مُخَلَّدُ
مَا حَازَ قَارُونٌ لَهُمْ مِنْ ثَرْوَةٍ ** لم تسعد الأَمْوَالَ قوما أَلْحُدُ؟
هِيَ سُنَّةُ الأَيَّامِ جَارِيَة بنا ** تُعْطِي الفَتَى سَاعَاتِهِ وَتُجَرِّدُ
فالسعادة لا تعني السعيَ للاستيلاء على ثروات الشعوب بغير حق، والسعي إلى استعمار الشعوب وذلها.
وإنما السعادة خيرٌ وفير، وفضلٌ كبير، وعمل صالح، ومشروع ناجح، ومتجر رابح، وإيمان صادق.
فليس هناك من داع يجلب السعادة للأمم، وإلى الأفراد والزعماء غير الأخذ بأسبابها، والإيمان بما وعد الله به أصحابها.
فالسعيد من أطاع ربه، وحسُن خُلُقُه، وأسعد من ولّاه الله أمرًا من أمور الناس، وابتعد عن الرذيلة، وغرس في نفسه وفي الناس الفضيلة والسكينة، وكان عوناً لإخوانه وشرفا لزمانه، فله من غيره عظه، وفي التجارب عبر، وهو يسعد نفسه، ويسعى إلى نجاة أهله واخوانه وجيرانه.
ففي الحديث: "السَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ".
فالأخذُ بأسباب السعادة في الدنيا سبب للريادة فيها، وسببٌ لحصول السعادة في الأخرى: {وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاَّ ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ}.
إن رُسُلَ الله جاؤوا من عند الله لإقامة العدل، وتلطيف السلوك البشري، وتعليم الناس عبادة الله وما ينفعهم ويسعدهم في الدنيا والآخرة، وتحذيرهم من عبادة الشيطان وطاعته، {أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ، وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ}.
فالشيطان لا يُرى بالعين المجرّدة، وإنما عبادته تتمثل في طاعته واتباع خطواته.
فهو يدعو الإنسان إلى عصيان ربه، والاعتداء على إخوانه.
والشقي من عصى ربه، وأطاع الشيطان عدوه، فكثر شره، وطبع على قلبه، فهو شقي في عمله، شقي في بلده ومجتمعه، منغمس في الشهوات المحرمة، متبع لهواه؛ وما تفعله الصهيونية اليوم أكبر شاهد على ذلك، فهي تعيث في الأرض فسادا، وتقتل الأبرياء في فلسطين، وتحاصر الجمهورية الإسلامية في إيران بغيةَ السيطرة على خيراتها، وتحاصر الشعب اللبناني واليمني هي وأتباعها وأذنابها.
لقد جعلوا الظلمَ منهجَهم، والشقاءَ ديدنَهم، قلوبهم غافلة عن الإصلاح، وأبصارهم لا تدرك وسيلة الصلاح، {لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ}، {كَلاَّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ}.
إن اقترافَهم للمعاصي تلو المعاصي والمخالفات تلو المخالفات، والانغماس في الملذات، والتطاول على أهل الإيمان؛ ينتهي إلى ختم الله على قلوبهم، وإنزال العذاب عليهم: {خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ}.
إننا في شهر ربيع الأول نمر بذكرى المولد النبوي الشريف، وهي محطة ينبغي أن نتزود فيها من سيرة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم في هذه المناسبة لنجعل منها محطة للتأسي بالرسول الأعظم -صلى الله عليه وآله وسلم- ودعوة الأمة الإسلامية إلى التوحد والتآخي، ونصرة المظلومين ورفع راية الجهاد في وجوه الظالمين، والاعتصام بحبل الله المتين، امتثالا لقوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّـهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا}.
فالوَحدةُ الإسلامية هي الغاية، التي يجب أن يطلبها كُلُّ مسلم، فالله سبحانَه وتعالى يقول: {وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ}.
فالوَحدة التي يكون أساسها الدين الإسلامي تحكمها العدالة الحقيقية؛ لأنها تقومُ على مبادئ الفضيلة والأخلاق، فهي لا تفرق بين جنس وجنس، وإنما تقوم على الخير والبر، واحترام الكرامة الإنسانية.
وها هي الجمهورية الإسلامية في إيران اليوم تقيم مؤتمرًا للوَحدة الإسلامية، وهي تُجَسِّدُ بذلك ترجمةً عمليةً للاقتداء بنبي الإسلام الذي يقول: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ولا يخذله".
وجاء في القرآن: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}، وهو أمرٌ يدُلُّ على رفيع مكانة القائد الإسلامي الكبير مجتبى علي الخامنئي وإن تحقيق ما يدعون إليه ينبغي أن يكون ديدن المسلمين كافة، وأن يسعى الجميع إلى نصرة الشعب الفلسطيني والشعب اللبناني، والتعاضد مع أنصار الله في يمن الإيمان والحكمة ومحور المقاومة، من أجل رفع راية الإسلام، وتحقيق الأمن والسلام في العالم، والوقوف في وجوه العتاة المعتدين، والالتفاف حول راية قائد المسيرة القرآنية السيد العلم عبدالملك بدر الدين الحوثي -حفظه الله- نصرة للحق وأهله ومحاربة للباطل وحزبه: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّـهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لا انْفِصامَ لَها وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}، {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}.
* عضو رابطة علماء اليمن