استمر الأعداء في اختزال اليمني في كلمة واحدة "وكيل". وكيل لإيران، وكيل لهذا وذاك..! وكيل تهم أخرى لا تُحصى ولا تُعد! نصيحتي: لا تسألوا اليمني من هو.

لا تسألوه عن تاريخه، ولا عن جغرافيته، ولا عن الجبال التي علّمته منذ آلاف السنين أن يعيش بعيدًا عن يد الآخرين. لا تسألوه كيف استطاع، في بلد دمّره الجيران وأثقلته أزماتهم، أن يبقى حاضرًا في أكثر خرائط المنطقة حساسية.

أسهل شيء أن تقول عن اليمني «وكيل»، وأصعب شيء تفهم اليمني الذي صنع تاريخه وجغرافيته وإرادته الخاصة..!!

ما حصل في باب المندب، أن التاريخ وضع إصبعه على الخريطة وقال: هنا اليمن، الحارس الأمين لنفسه ولجاره وللأمن القومي العربي..!!

قد تختلف مع "الحوثيين".

قد تختلف مع أنصار الله.

قد تختلف مع صنعاء.

سمِّهم ما شئت.

لكنك، ورغم ما تملكه من ملكة أو هالة لغوية وإعلامية، أو ماكينة إنتاج إعلامي، لا تستطيع أن تغيّر الجغرافيا بتغيير اسمهم أو كنيتهم أو لقبهم..!!

ولا تستطيع أن تلغي حقيقة أن اليمنيين تعرضوا للظلم والاضطهاد والاحتلال والوصاية من قبل دولة جارة تسمى المملكة العربية السعودية، الدولة التي «لم تعرف يومًا أبجديات احترام الجار»، دولة تطمح أن ترى أمعاء جيرانها خاوية لتستطيع تجريدهم من وطنيتهم وتحويلهم إلى مرتزقة وجنود وعبيد لا يملكون قوتًا ولا قرارًا..!!

لا تستطيع أن تنكر أن اليمنيين دفعوا ثمنًا باهظًا وهم يقاتلون لتحرير أرضهم وانتزاع قرارهم، وما الدماء التي سالت في الساحل الغربي في الأيام الماضية إلا شاهد ودليل على أن الإنسان اليمني مستعد لأن يقدم أكثر من الدم في سبيل تحرير بلاده وانتزاع قراره وإعادة سيادة بلده..!!

ما حصل في باب المندب وفي محيطه شيء يشبه أن يستيقظ الحارس من نوم طويل، فيكتشف أن الباب الذي يحرسه لا يحمي بيته وحده، لكنه يحمي بيوت العرب جميعًا..!

إنه أحد الأبواب التي أهداه الله الخالق لنا جميعًا نحن العرب، وخصّنا نحن أهل اليمن به، ليكون حصنًا وسدًا منيعًا ضد الغزاة والطامعين!!!

ولهذا، فإن ما تحقق هناك يمكن أن يُقرأ باعتباره انتصارًا يمنيًا في ساحته، لكنه مكسب عربي في أثره الاستراتيجي.

مصر معنية!!

السودان معنية!!

وكل دولة عربية تطل على البحر الأحمر أو ترتبط بأمنه معنية.

حتى السعودية، الخصم اللدود لليمنيين، تستطيع، لو آمنت بحق الجار ورفعت يدها عن ثرواته وقراره، وخرجت من حسابات الخصومة مع اليمن، ورفعت عنها هيمنة الغرب ووصايتهم عليها، أن ترى المفارقة..!!

لو فعلت ذلك، لاكتشفت أن ما يقلقها سياسيًا اليوم قد يكون جزءًا من معادلة تحمي أمنها غدًا.

فاليد التي تمنع تمدد الكيان إلى البحر الأحمر، وحاصرته في معركة الطوفان، قد تكون يدًا لا تطيقها الرياض اليوم، لكنها اليد التي ستمنع عنها وعن كل دولة عربية صفعة اللوبي وهيمنته وسطوته غدًا!

وقد رأينا تلك اليد اليمنية كيف وقفت مع غزة وإلى جانبها، رغم المسافة وما تحمله من آلام وهموم..!!

في تلك اللحظة ستعترف أنك كنت ساذجًا حين أطلقت على هؤلاء القوم "وكلاء" وقاتلتهم..!!

لأن الوكيل، في الصورة التي يريد البعض رسمها لليمن، لا يُفترض أن يمتلك كل هذه القدرة على فرض نفسه في الجغرافيا..!!

ولا يُفترض أن تكون لديه القدرة على جعل باب المندب جزءًا من حسابات القوى الكبرى.

ولا يُفترض أن تكون لديه القدرة على جعل خصومه يعيدون حساباتهم مرة بعد أخرى..!!

لكن اليمن فعل ذلك. نعم، فعل ذلك وأكثر.

ولهذا، ربما يكون الخطأ الأكبر هو الاستخفاف بأبنائه!

فاليمني الذي يتم تصويره في وسائل الإعلام العربية والغربية أنه تابع لدول أخرى، استطاع أن يمسك بأقوى ورقة في المشهد، ولا يستطيع أحد تجاهلها أو إنكارها أو تزييف الحقائق حولها.

واليمني الذي يُقال له اليوم إنه أداة، هو نفسه من يعيد رسم المعادلة التي ستعيشها المنطقة برمتها في المرحلة القادمة ولسنوات طويلة..!!

الحقيقة التي يجب أن يفهمها الخصوم اليوم هي أنه يجب ألا يختصروا شعبنا اليمني في تهمة..!!

لأن هذا الشعب أثبت مرة بعد مرة أن من يستخف به يدفع ثمن استخفافه.

وإذا كان البعض يعتقد أن باب المندب هو بوابة اليمن فقط إلى البحر، فاليمنيون أيضًا يؤمنون أنه أحد أبواب العرب جميعًا إلى أمنهم القومي..!!

ومن هنا، لا يرى اليمنيون الانتصار الذي تحقق في الساحل الغربي أنه انتصار لهم وحدهم، لكنه، من واقع المنهج القرآني الذي أرساه شهيد القرآن السيد حسين بدر الدين، سلام الله عليه، يُعد انتصارًا يمكن أن تمتد آثاره الإيجابية إلى كل العرب.