يمثل خطاب السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي في الذكرى السنوية للصرخة في وجه المستكبرين محطةً فكرية وتعبوية متجددة، لا تقتصر على استحضار حدث تاريخي في مسار الحركة القرآنية، بل تتجاوزه إلى قراءة شاملة للواقع الإسلامي المعاصر، وتشخيص موقع الأُمَّــة في مواجهة المشروع الأمريكي–الإسرائيلي، وما يرتبط به من تحديات سياسية وثقافية وإعلامية.
أولًا: الصرخة بوصفها تأسيسًا لمشروع وعي
يؤكّـد الخطاب أن “الصرخة في وجه المستكبرين” التي أطلقها الشهيد القائد السيد حسين بدرالدين الحوثي لم تكن شعارًا انفعاليًّا، بل انطلاقة تأسيسية لمشروع قرآني متكامل.
هذا المشروع، كما يقدمه الخطاب، أعاد تشكيل الوعي الجمعي تجاه مفهوم العداء والولاء، وربط الأُمَّــة بمركزية التوحيد في مواجهة الاستكبار، لا كشعار مُجَـرّد، بل كمنهج حركة وتغيير.
ومن هنا، تصبح الصرخة ـ في رؤية الخطاب ـ نقطة تحول من حالة السكون والتبعية إلى حالة الوعي الفاعل، الذي يعيد ترتيب أولويات الأُمَّــة وفق المنظور القرآني.
ثانيًا: تشخيص الواقع.. بين الهجمة والتخاذل
يتناول الخطاب المشهد العالمي من زاوية صراع حضاري واسع، حَيثُ يتم توصيف الهجمة الأمريكية–الإسرائيلية؛ باعتبَارها امتدادًا لمشروع استعماري حديث، يتخذ أشكالًا سياسية وإعلامية واقتصادية وأمنية متعددة.
وفي المقابل، يسلط الضوء على حالة التخاذل والارتهان التي أصابت عددًا من الأنظمة، وما ترتب عليها من اختلال في بوصلة الموقف السياسي والأخلاقي للأُمَّـة.
ويبرز هنا مفهوم “حرف البوصلة” كأحد أخطر أدوات الحرب الناعمة، التي لا تكتفي بالاحتلال المباشر، إنها تعمل على إعادة تشكيل وعي العدوّ والصديق داخل الأُمَّــة نفسها.
ثالثًا: معركة الوعي والإعلام
يشكل البُعد الإعلامي أحد المحاور المركزية في الخطاب، حَيثُ يتم التأكيد على أن الصراع لم يعد عسكريًّا فقط، لقد أصبح صراعًا على الوعي.
فالإعلام ـ بحسب الخطاب ـ بات أدَاة لتزييف الحقائق، وتثبيط روح المقاومة، وتضخيم إنجازات العدوّ، في مقابل التقليل من أي فعل مقاوم.
ومن هذا المنظور، تأتي الصرخة كأدَاة مضادة، لا تكتفي بالرفض، إنما تعيد إنتاج الوعي الجمعي على أَسَاس قرآني، يفضح الروايات المضللة ويعيد الاعتبار لفكرة المقاومة كخيار وجودي.
رابعًا: إعادة تعريف الهُوية والصراع
يركز الخطاب على أن جوهر الصراع ليس سياسيًّا فحسب، إنما هو صراع هُوية وموقف.
فالأمة ـ وفق هذا الطرح ـ مطالبة بإعادة ضبط مفهومي “الولاء والبراء” في ضوء القرآن الكريم، بما يمنع اختراقها من الداخل، ويحصنها من محاولات إعادة تشكيل وعيها وفق الإرادَة المعادية.
كما يبرز الخطاب أن الصراع مع العدوّ ليس صراعًا طارئًا، إنما هو امتداد تاريخي مرتبط بجذور فكرية ومشاريع استعمارية طويلة الأمد.
خامسًا: البُعد العملي للمشروع القرآني
لا يكتفي الخطاب بالطرح الفكري، لقد ينتقل إلى البعد العملي، حَيثُ يتم التأكيد على أن المشروع القرآني ليس حالة نظرية، هو مشروع تحَرّك شامل، يشمل السياسة والاقتصاد والإعلام والثقافة والتعليم.
وفي هذا السياق، يتم التأكيد على أهميّة أدوات مثل المقاطعة الاقتصادية، وبناء الوعي، وتعزيز الاستقلال في القرار؛ باعتبَارها جزءًا من معركة المواجهة الشاملة.
بين الوعي والمسؤولية
يخلص الخطاب إلى أن معركة الأُمَّــة اليوم هي معركة وعي بامتيَاز، وأن الخيار الحقيقي ليس بين الحرب والسلم كما يُروّج، بل بين الاستقلال والارتهان، وبين الوعي والتضليل، وبين الفعل والاستسلام.
وبهذا المعنى، تتحول “الصرخة في وجه المستكبرين” من شعار تاريخي إلى مشروع مُستمرّ، يعيد تعريف موقع الأُمَّــة في العالم، ويضعها أمام مسؤوليتها الدينية والأخلاقية في مواجهة مشاريع الاستكبار والهيمنة.
إنها دعوة ـ كما يقدمها الخِطاب ـ إلى أُمَّـة واعية، تمتلك قرارها، وتستعيد بُوصلة موقفها، وتتحَرّك من موقع الثقة بالله ووعده الحق.