أنصار الله. حوار: يحيى الربيعي

في سهول تهامة حيث تشرق شمس الصمود بين ثنايا الأراضي الزراعية، التي كانت يوماً مسرحاً لمحاولات التعطيل الممنهج، تنبثق اليوم "ثورة بيضاء" لا تُقاس بلترات الحليب فحسب، وإنما بمدى القدرة على كسر قيود التبعية الاقتصادية التي فرضتها عقود من الارتهان للسياسات الخارجية. إن ما تشهده اليمن اليوم، عبر "الإستراتيجية الوطنية لتوطين صناعة الحليب ومشتقاته" (NSLD) هو فعل تنموي واسع النطاق ومتعدد المجالات، يهدف إلى استعادة القرار الاقتصادي اليمني من مخالب قوى الاستكبار الاقتصادي العالمي، التي سعت طويلاً لتحويل المجتمع اليمني إلى "سوق استهلاكية" لمنتجاتها، معطلةً بذلك قدراته الذاتية وموارده الطبيعية الهائلة.

من العشوائية إلى التنظيم الاستراتيجي

في هذا السياق، تواصلنا في موقع "أنصار الله" بالأخ خالد الشاحذي ضابط سلسلة الألبان بوزارة الزراعة والثروة السمكية والموارد المائية، والذي بدوره تحدث إلينا عن آخر المستجدات على ساحة الثورة الزراعية، وتحديداً في ما يتعلق باستراتيجية توطين الألبان الجاري تنفيذها في عدد من مديريات محافظة الحديدة والتي تتمدد نحو محافظات (حجة، المحويت، ريمة، ذمار، إب، وتعز)، قائلا: انطلقت هذه الملحمة التنموية من رؤية قرآنية استشرافية صاغها قائد الثورة السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي، حين أكد مراراً على أن الثروة الحيوانية "نعمة إلهية" تستوجب التنظيم والاهتمام بعيداً عن العشوائية التي طبعت العقود الماضية. لقد كان التشخيص القيادي دقيقاً وعميقاً؛ فاليمن يمتلك كل مقومات الاكتفاء، لكن "الأيادي الخارجية" كانت تعمل عبر أدواتها على إبقاء الفجوة الغذائية مفتوحة.

مؤكداً أنه، ومن هذا المنطلق، لم يكن التحرك في مشروع الألبان ترفاً إدارياً، بل ضرورة ملحة لمواجهة الحرب الاقتصادية الشعواء التي يشنها الكيان الإسرائيلي وحلفاؤه في واشنطن عبر الحصار والتجويع. وبدءاً من يونيو 2023م تحولت الكلمات إلى خطط عملياتية، حيث وضعت الدولة ثقلها المالي والإداري لتنفيذ استراتيجية التوطين، بميزانية تدخلات بلغت 8,803,333,450 ريالاً يمنياً، لترسم ملامح مرحلة جديدة من الاعتماد على الذات.

تحطيم أرقام الاستيراد

وأضاف الشاحذي: "بلغة الأرقام التي لا تقبل التأويل، نجح المشروع في توجيه ضربة قاصمة لسياسات الإغراق السلعي، فبينما كان الاقتصاد اليمني ينزف عملات صعبة لاستيراد مساحيق الحليب المصنعة في مختبرات الغرب، تمكنت الاستراتيجية الوطنية خلال فترة وجيزة من تقليص فاتورة الاستيراد بنسبة 4.93%". مؤكداً أن هذا الرقم، وإن بدا متواضعاً في ظاهره، إلا أنه يمثل توفيراً فعلياً لـ 18,974,572 دولاراً سنوياً كانت تخرج من جيوب اليمنيين لتغذي اقتصاديات الدول المعادية.

وأشار إلى أن استعادة هذا المبلغ وضخه في شريان الاقتصاد المحلي يعد انتصاراً تقنياً في حرب "الدولار" التي تستخدمها الشركات العالمية كأداة للتركيع السياسي. وفي المقابل، شهد الإنتاج المحلي قفزة دراماتيكية؛ حيث تصاعد من 16,470 لتراً يومياً قبل انطلاق الاستراتيجية ليصل إلى ذروة إنتاجية بلغت 157,000 لتر يومياً بنهاية عام 2025م، وهو ما يعكس تسارعاً مذهلاً في وتيرة العمل وتجاوباً شعبياً منقطع النظير.

بناء القوة من القاعدة إلى القمة

ويوضح ضابط سلسلة الألبان، الشاحذي، أن هذه الخطوات تمثل ركيزة أساسية في مواجهة السياسات الصهيو-أمريكية التي تستهدف الأمن الغذائي، مؤكداً أن الاستراتيجية لم تكتفِ بالتنظير، بل انتقلت إلى حيز التنفيذ عبر إنشاء مركزين نموذجيين لاستقبال وتجميع الحليب بتمويل من صندوق تنمية الحديدة، بالتوازي مع تعزيز البنية التحتية للأعلاف من خلال إنشاء مصنع للأعلاف المركزة للأبقار الحلوب بمدخلات محلية وبأسعار مخفضة عبر مؤسسة "يمن ثبات"، مضافاً إليه مصنع "عين اليمن" الذي يعتمد -في جزء كبير من مدخلاته- على الموارد الوطنية، واستبدالها بالأعلاف المستوردة.

وكشف الشاحذي عن دور محوري للجنة الزراعية والسمكية العليا التي قامت بشراء وتوريد معدات متكاملة لمصنع ألبانٍ ومركزي تجميع، فضلاً عن توفير قطاعتين متنقلتين لتقطيع وكبس الأعلاف الخشنة، في حين دخلت هيئة التأمينات والمعاشات على خط المواجهة الإنتاجية بإنشاء مزرعة نموذجية لتربية الأبقار البلدية في تهامة بسعة 3000 بقرة سنوياً. هذا الزخم الحكومي دفع بالقطاع الخاص إلى إعادة بوصلة استثماراته، حيث نجح برنامج التمكين الاقتصادي في تحويل 5 مزارع كبرى من استيراد وتسمين العجول الخارجية إلى تربية وتسويق الأبقار البلدية، في خطوة تعزز السيادة السلالية للثروة الحيوانية اليمنية.

وأضاف "ولم تغفل الاستراتيجية الجوانب اللوجستية والصحية لضمان ديمومة السلسلة، حيث جرى تأمين 1100 عبوة لجمع الحليب و27 وسيلة نقل مبردة (بقروض بيضاء عبر الجمعيات التعاونية)، وبتمويل مشترك من صندوق تنمية الحديدة واللجنة الزراعية والاتحاد التعاوني الزراعي، إلى جانب رفد الميدان بـ 10 عيادات بيطرية عبر قروض للجمعيات التعاونية، بتمويل من وحدة تمويل الحديدة. وبالتوازي مع ذلك، استثمرت الدولة في رأس المال البشري عبر تدريب 280 كادراً في الصحة الحيوانية، و120 مجمعاً للحليب على الاشتراطات الصحية الصارمة، فضلاً عن تأهيل وتأثيث مقرات 20 جمعية تعاونية زراعية في تهامة عبر مؤسسة بنيان التنموية، لضمان إدارة احترافية وشبكة إقراض فاعلة. كما تم شراء وتوريد معدات مصنع ألبانٍ ومركزيْ تجميع الحليب من قبل اللجنة الزراعية والسمكية العليا".

وأشار إلى أنه، وفي أسمى تجليات البعد الاجتماعي لهذه الملحمة التنموية، وصل برنامج التمكين الاقتصادي إلى الفئات الأكثر تضرراً من العدوان والحصار، حيث تم إقراض 1500 مستفيد، من بينهم 1045 حالة شملت جرحى ومعاقين وأسر شهداء ومستفيدي الزكاة والمتضررين من السيول في تهامة، ومنحهم أبقاراً إنتاجية ليكونوا جزءاً من درع اليمن الاقتصادي. إن هذا الحشد المتكامل والتدخلات التي طالت أدق مفاصل السلسلة تؤكد أن اليمن يمضي بعزيمة لا تلين نحو تصفير فاتورة الارتهان للخارج، محولاً التحديات إلى فرص، والاحتياج إلى اكتفاء، في رد عملي ومباشر على كل محاولات التركيع الاقتصادي.

وأوضح الشاحذي أن خلف كل لتر حليب يتدفق في مراكز التجميع هناك قصة صمود لأسرة يمنية. لقد اتسع نطاق المستفيدين ليشمل 104,418 شخصاً، تحولوا من خانة الاحتياج إلى خانة الإنتاج. وتشير البيانات الموثقة ان عدد منتجي الحليب ارتفع من ١٢١٨ منتج حليب الى ١٤٠٠٠ منتج حليب بعد عامين ونصف من استراتيجية توطين الحليب، حيث ان قيمة الحليب المورد الى مصانع الألبان في الشهر يساوي مليار وتسعمائة ألف ريال، ومتوسط نصيب الفرد الشهري من منتجي الحليب ١٣٥ ألف ريال. هذه السيولة النقدية التي ضُخت في المناطق الريفية، والتي تجاوزت قيمتها الإجمالية 36.3 مليار ريال خلال عامين ونصف، مثلت "شبكة أمان" حقيقية في مواجهة محاولات التجويع الممنهج التي يمارسها تحالف العدوان وحلفاؤه. إن تمكين المزارع اليمني اقتصادياً هو -في جوهره- تحصين للجبهة الداخلية، حيث يصبح المواطن شريكاً أصيلاً في الدفاع عن كرامة وطنه من خلال منجله ومحراثه.

الجودة في مواجهة السموم المستوردة

في الوقت الذي تغزو فيه الأسواق العالمية منتجات ألبان مشبعة بالمواد الحافظة والزيوت المهدرجة، قدم المشروع اليمني البديلَ الصحي والنقي. أصبحت منتجات مصانع "نادفود" و"نانا" و"يماني"، المستخلصة من حليب الأبقار التهامية الطازج، رمزاً للجودة والوطنية. وتؤكد التقارير الفنية أن التوجه نحو الحليب الطبيعي ساهم في تحسين المؤشرات الصحية العامة، خاصة بين الأطفال، باعثاً برسالة واضحة مفادها أن اليمن قادر على إطعام نفسه بأجود ما تجود به أرضه. إن مشهد الزبادي "الرعوي" والحليب الطازج بات جزءاً من الهوية الثقافية والمقاومة الشعبية التي ترفض استهلاك ما يمليه عليها "الآخر" الانتهازي.

زحف "البياض" نحو بقية المحافظات

إن الطموح اليمني لا يتوقف عند حدود تهامة، فالتقرير يكشف عن خطط توسعية طموحة تستهدف محافظات حجة، المحويت، ريمة، ذمار، إب، وتعز. هذا الزحف التنموي يهدف لمعالجة فجوة الاستيراد التي لا تزال تلتهم 69% من احتياجات السوق، حيث يحتاج المجتمع اليمني إلى 1.37 مليون طن سنوياً من الألبان ومشتقاتها. وتخطط الإستراتيجية للوصول إلى توفير أكثر من 200,000 فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة، مع استكمال البنية التحتية من مراكز استقبال الحليب في مديريات الزهرة والقناوص وبيت الفقيه والكدن، وصولاً إلى عبس ومدينة الحديدة. إن كل مركز تجميع جديد يُنشأ هو في الواقع "حِصن" اقتصادي جديد يُبنى لتعزيز الصمود الوطني.

وأكد الشاحذي أن التدخلات الحكومية مثلت "هندسة اجتماعية واقتصادية" لإعادة توجيه الاستثمارات من القطاع التجاري الاستيرادي (الذي يهيمن عليه منطق الربح السريع والمرتبط غالباً بشبكات المصالح الخارجية) إلى القطاع الإنتاجي الوطني. مشيراً إلى أن هذا التحول الدراماتيكي يواجه تحديات جسيمة، ليس أقلها الحصار التقني ومنع دخول المعدات الحديثة، لكن الإرادة اليمنية استعاضت عن ذلك بالابتكار المحلي والتكافل التعاوني بين الجمعيات ومصانع القطاع الخاص الوطنية، ما أوجد نموذجاً فريداً من "التكامل تحت النار".

بزوغ فجر الاكتفاء

واختتم الشاحذي تصريحه بالإشارة إلى أن مشروع توطين صناعة الألبان في اليمن يمثل الترجمة الفعلية لشعار "نأكل مما نزرع"، لافتاً إلى أن نجاح الاستراتيجية يكتب بجهد المزارعين وعرق العمال وبصيرة القيادة، لتثبت لقوى الاستكبار العالمي أن الحصار مهما اشتد لا يمكنه خنق إرادة شعب قرر أن يمتلك قراره الغذائي. مؤكداً أن الطريق نحو تغطية فجوة الـ 1.37 مليون طن لا يزال طويلاً، منوهاً إلى أن الخطوات التي قُطعت حتى نهاية عام 2025م تؤكد أن اليمن قد وضع قدمه بثبات على طريق الحرية الاقتصادية، محولاً التهديد إلى فرصة، والمعاناة إلى إنجاز، في مسيرة لا تراجع فيها حتى تحقيق السيادة الكاملة على كل شبر من أرضه وكل لقمة من عيشه.