تمثل العمليات العسكرية الأخيرة التي تنفذها القوات المسلحة اليمنية على تحشيدات العدوان السعودي ومرتزقته في معسكر الرويك والوديعة تحولاً استراتيجياً نوعياً في مسار المواجهة المستمرة مع قوى العدوان السعودي والأمريكي والإسرائيلي، وتجسيداً عملياً لخطاب الإرادة الشعبية المتمسك بالحقوق المشروعة وغير القابلة للتفاوض.
إن المشهد الراهن لم يعد ينحصر في إطار الاشتباك التكتيكي المحدود، فقد تجاوز ذلك ليؤسس لمعادلات ردع كبرى ترتكز على مبدأ التكافؤ الميداني، وتؤكد بوضوح أن استمرار الحصار الظالم على الشعب اليمني لم يعد مأساة صامتة تمر دون حساب، بل هو مسار كلفته الاستراتيجية باهظة وثقيلة على الجانب الآخر.
إن خطورة هذه المعادلة تكمن في قدرتها على نقل المعركة من مربع الدفاع المعزول إلى فضاء الهجوم الاستباقي المدروس، حيث تصبح كافة المصالح الحيوية والاقتصادية للتحالف السعودي في مرمى النيران اليمنية المباشرة، وحيث تفرض الإرادة اليمنية نفسها رقماً صعباً لا يمكن تجاوزه في أية حسابات إقليمية أو دولية مقبلة.
لقد ظل الحصار المفروض على الموانئ والمنافذ اليمنية، وخاصة ميناء الحديدة ومطار صنعاء الدولي، يمثل السلاح الأبرز والأكثر قسوة المستخدم لتركيع الشعب اليمني والنيل من صموده التاريخي.
هذا الحصار لم يكن مجرد إجراء عسكري عابر، كان حرباً ممنهجة تستهدف مقومات الحياة الأساسية للأفراد، من الغذاء والدواء إلى المشتقات النفطية، في محاولة يائسة لكسر الوعي الجمعي وإخماد جذوة التحرر الوطني.
أمام هذا الصلف المستمر والتعنت المبرمج في تجاهل النداءات الإنسانية، جاءت استراتيجية "الحصار بالحصار" لتشكل رداً طبيعياً وضرورياً تمليه القوانين السماوية والوضعية التي تكفل للدول والشعوب حق الدفاع الشرعي عن النفس وامتلاك أسباب الردع.
إن هذه المعادلة ليست ترفاً سياسياً أو تصعيداً مجانياً، هي الدواء المر الذي يفرض على العدوان إعادة حساباته بدقة باهظة، وإدراك حقيقة أن زمن التفرد بالشعب اليمني واستباحة مقدراته قد ولى بلا رجعة، وأن أثمان الحصار باتت مدفوعة من رصيد المصالح الحيوية للاقتصاد المعتدي نفسه.
ولم تكن تلك النوايا والمخططات الإجرامية للعدوان البري على المحافظات الحرة خفية أو مستترة، كان العدو السعودي يصرح بها علناً وينشرها عبر وسائله الإعلامية والسياسية في محاولة فاشلة لترهيب الشعب اليمني وثنيه عن مساعيه الحثيثة لكسر الحصار الظالم ورفع المعاناة والظلم عنه؛ غير أن القوات المسلحة اليمنية كانت لهم بالمرصاد دوماً، مستعينة بالله ومتوكلة عليه، وبعزم صُلب لا يلين وإرادة لا تعرف الهزيمة.
لقد خاب فأل المعتدين وتكسرت أطماعهم على صخرة الثبات اليمني، ليهتف الجميع بحمد الله وشكره على نعمة النصر والتمكين.
إن عمق الارتباط بين الجهد العسكري والهدف الإنساني يظهر جلياً في طبيعة هذه العمليات، فالقوات المسلحة اليمنية لا تتحرك من منطلق رغبة في العنف أو التصعيد لذاته، تستند إلى تفويض وطني وأخلاقي عميق لحماية المظلومين وانتزاع الحقوق المغتصبة، لتؤكد مجدداً أن التوكل على الله والاعتماد على الذات هما الركيزتان الأساسيتان اللتان لا تهزان أمام التهديدات، وأن ثمار الصبر الاستراتيجي تنضج يوماً بعد يوم لترسم معالم مرحلة جديدة من العزة والكرامة.
وإننا إذ نبارك عمليات القوات المسلحة اليمنية المباركة ضد تحشيدات العدوان السعودي الذي يحاول الالتفاف على الشعب اليمني وتشديد الخناق عليه وحصاره، نؤكد أن هذا العدوان الظالم لم يكتف بحصاره الجائر على مطار صنعاء وميناء الحديدة، عمد إلى فرض حصار بري وإغلاق المنافذ البرية لمضاعفة معاناة الشعب اليمني؛ حتى وصل الأمر بالمواطنين المسافرين إلى المعاناة القاسية من هذا الظلم المتراكم الذي أدى إلى موت العديد منهم في صحاري العبر ورمالها الحارقة.
إن الحصار البري المفروض على الشعب اليمني ليس سوى رسالة دموية واضحة من العدوان السعودي، كأنما يقول لشعبنا: "من لم يُمَت بقصف الطيران والحصار الجوي والبحري، سيموت في صحراء العبر وصحراء الجوف من الجوع والعطش ويدفن في رمال الجوف"..
تلك هي رسالة العدوان السعودي المجرم والظالم بحق الشعب اليمني الأبي.