لم تعد أمريكا إمبراطورية لا تُقهر رسمت النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية فهي اليوم على أبواب نهاية سوداء أثقلتها الديون، أنهكتها الحروب وتآكلت من الداخل.

من أروقة فيينا النووية إلى مياه مضيق هرمز وصولاً إلى خنق التجارة عند باب المندب تدور واحدة من أعقد المعارك الجيوسياسية في القرن الحادي والعشرين، هي ليست حرب صواريخ قاذفات دبابات جنود وفرقاطات فقط، هي حرب سلاحها "النفس الطويل" الذي تتقنه طهران بحرب فرضها عليها ترامب ونتنياهو، ذهبا إلى حافة الهاوية وتصورا أن الضربة الخاطفة تحسم المعركة فكانت النتيجة انقلاب الحرب على إيران إلى استنزاف مالي وسياسي داخلي لأمريكا وإسرائيل، وفي صراع العمالقة لا يعود الحسم لمن يملك مخزون سلاح أكبر بل لمن يملك قدماً أثبت في الأرض ونفساً أطول في إدارة أوراق القوة واستخدامها، وهذا ما فعلته إيران حولت المعركة من ضربة قاضية كما خطط لها البيت الأبيض إلى حرب استنزاف مفتوحة بلا إستراتيجية خروج.

وهي إستراتيجية تديرها طهران بإستراتيجية مواجهة تقوم على التحكم بإيقاع الوقت من فيينا إلى باب المندب تترك الخصم يواجه نتائج اندفاعه رغم كل ترسانته، مدركة أن إسقاط ترامب ونتنياهو لا يكون بالمواجهة المباشرة بل بالتوريط المستمر في بورصة السقوط باستنزاف اقتصادي وجيوسياسي يومي اسلحة ابتدعتها إيران تستثمر الفرص وتضرب نقاط الضعف الاستراتيجية.

 وإيران هنا لا تنزلق لحرب شاملة بل تضغط على المصالح الأمريكية في المنطقة مراهنة أن كلفة الحرب ستنعكس على صورة ترامب في الداخل والأرقام تثبت ذلك، فشعبية ترامب انهارت إلى 37% وهي الأدنى منذ العام تسعين بالتوازي مع غرق الكيان الصهيوني اقتصادياً واجتماعياً على جبهات متعددة: نزيف مالي، وجدل داخلي حول قدرة القيادة على تحقيق أي هدف معلن.

هكذا وضعت طهران ترامب ونتنياهو أمام بورصة أزماتهما الداخلية بسلاح صامت هو الخنق الاقتصادي في شرق أوسط لا يشهد حرباً تقليدية، بل صراع مشاريع تداعياته تتجاوز المنطقة والخنق سلاح أمضى فهو لا يهدف لشل العالم بل لإرهاق الخصم شعبياً بالتضخم.

 يضاف إليه ورقة قوة الكابلات التي تمر عبر هرمز وباب المندب ومن يتحكم بالمضيق يتحكم بالنفط والمعلومات معا، وهو ما عزز قوة محور المقاومة، فجعل الحرب انتصار، وحول الحصار إلى أداة ضغط والمضائق إلى أوراق تفاوض.

تعتمد إيران النفس الطويل تنتظر تراكم أخطاء الخصم مدعومة بظهير روسي-صيني. الصين تشتري النفط وتكسر الحصار، وروسيا تؤمن الغطاء العسكري في مجلس الأمن عكس أمريكا التي بنت عقيدتها على التفوق الجوي والضربة القاضية فوجدت نفسها عاجزة عن حماية قاعدة كانت تحمي مصالحها وتحولت إلى عبئ بمشهد إمبراطورية عجزت عن حماية مبنى مكاتب وسط نيويورك من الإفلاس فكيف تحمي ممراً مائياً في هرمز؟ وكيف تحمي حليفاً ملاحقاً من الجنائية الدولية؟

 إنها نهاية إستراتيجية القوة. أمريكا لم تعد تحارب لتفوز بل لتمنع سقوطها وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة.