موقع أنصار الله . تقرير |علي الدرواني

في هذه الجولة من الصراع مع العدو الأمريكي والإسرائيلي تتجلى ملامح نموذج فريد لم يشهده العالم المعاصر من قبل،  هذا النموذج يقدمه محور الجهاد والمقاومة، من اليمن إلى لبنان وغزة وإيران. نموذج يتجاوز تلكم الحسابات المادية التقليدية في إدارة الحروب، وهو يقوم على مبدأ الجهاد والشهادة، فبعد تقديم كبار القادة والرموز شهداء في الميدان، كان العدو الأمريكي والإسرائيلي يظنان أن مثل تلك الخسارة ستكسر المحور وتدفعه للاستسلام، إلا أن شيئا من ذلك لم يحدث، فقد خسرت الأمة قادة ورموزا دون أن يرافق تلك التضحية أدنى تراجع أو انكسار في الأداء العسكري أو السياسي.

 نموذج استثنائي يتجاوز المعايير المادية

هذا الثبات الاستثنائي يشكل اليوم عقبة كأداء وغير متوقعة أمام الهجمة الأمريكية الشاملة على المنطقة، حيث إن حجم التضحيات الكبيرة والضربات القاسية التي منيت بها الأمة والمحور لو كانت قد تعرضت لها أي  دولة أو كيان آخر في العالم، لكانت كفيلة بارغامه على رفع الراية البيضاء وإعلان الاستسلام الفوري للإرادة الأمريكية والإسرائيلية، والتسليم الكامل بشروط واشنطن وإملاءاتها.

غير أن ما حصل من صمود وثبات كان نتيجة هذه الثقافة الراسخة والمغمورة بدماء الشهادة، والتي أربكت قواعد الصراع التقليدية وأسقطت مفهوم النصر السريع بالضربة الصادمة، إذ إن الإدارة الأمريكية، وفي ظل صمودٍ ميداني لا يكسره غياب القادة، قد أدركت عجز أدوات الضغط العسكري والأمني عن تحقيق الردع المطلوب.

ارتباك الحسابات الغربية، والهروب نحو الصفقات البديلة

ولعل أبلغ دليل على إدراك واشنطن لعقم هذه المواجهة المباشرة ولجوئها إلى خيارات بديلة هو التوجه نحو البحث عن مقايضات وصفقات كبرى على الساحة الدولية لتعويض فشل أهدافها في عدوانها على إيران، ومن ذلك مساعي إدارتها للتفاهم مع روسيا، وتخفيف حدة العقوبات والضغط السياسي عليها، وصولاً إلى استيراد المشتقات النفطية والديزل الروسي لتغذية الأسواق الأمريكية والغربية، وضمان استقرار الاقتصاد الداخلي أمام ارتدادات الفشل العسكري الأمريكي  في المنطقة.

إبطال التفوق التكنولوجي، وكسر ميزان الردع التقليدي

وفي هذا السياق تبرز ثقافة الجهاد والشهادة، من المنظور الفكري والميداني للقوى المجتمعية والمقاومة الإيمانية الرافضة للهيمنة الأمريكية، باعتبارها المرتكز الأساسي والمحرك الفعلي الذي يصنع هذه العقبة الصلبة أمام المشاريع والأطماع الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة.

إن عقيدة الجهاد والمقاومة والشهادة استطاعت أن تحدث فرقا جوهرياً في ميزان الردع التقليدي القائم على التفوق التكنولوجي والناري والاقتصادي، الذي تعتمد عليه واشنطن و"تل أبيب" لفرض واقع معين، وتحقيق أطماعها الخبيثة بشرق أوسط جديد أو "إسرائيل كبرى"، حيث إن العقيدة الاستشهادية ترتكز على معيار معنوي يتجاوز الخوف من القتل والدمار، ويبطل تأثيراتها السلبية على المجتمع المجاهد، مما يبطل فاعلية أدوات الضغط والترهيب المادية، ويربك العقيدة العسكرية للجيوش النظامية التي تبنى على تقليل الخسائر البشرية وتجنب حروب الاستنزاف الطويلة.

كما تشكل هذه الثقافة خط دفاع عقائدياً وإيمانياً قوياً في مواجهة سياسات الضغط الغربية على الأمة. إن إبراز مفهوم الشهادة كمقام سام وتضحية واعية، وليس مجرد خسارة بشرية، يبقي جذوة القضايا المحورية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، حية في وجدان الأجيال المتعاقبة، ما يضمن استمرارية دافع المقاومة، ويُحبط المراهنات الإقليمية والدولية على فرض الأمر الواقع عبر مراهنة البعض على تآكل الذاكرة أو الشلل المعنوي مع مرور الزمن.

استنزاف العدو، وإفشال عقيدة النصر السريع

وتتجلى خطورة هذه الثقافة على مشروع الهيمنة الغربية أيضاً في تقليلها من جدوى الحروب الاستباقية واستراتيجيات السيطرة السريعة، حيث تجعل من أي وجود عسكري مباشر أو نفوذ أمني أمريكي أمراً مكلفاً للغاية على المستويين البشري والاقتصادي، فالأمة التي تمتلك عقيدة تقدس التضحية والاستبسال وتراها نصراً في حد ذاتها، تحرم الطرف المعادي من تحقيق أهدافه في شل حركة الأمة أو إجبارها على الاستسلام السريع، وتجبر العدو بدلاً من ذلك على خوض صراعات مفتوحة وغير متكافئة ترهق حساباته السياسية وتثقل كاهله بتكاليف باهضة، مادية ومعنوية، لا تتحملها جبهته الداخلية.

إن هذه الحقيقة تجاوزت القراءة السياسية والميدانية المحلية، وأصبحت محط اعتراف وتحليل واسعين في الأدبيات ومراكز الفكر والدراسات الغربية، مثل مؤسسة "راند" ومعهد "واشنطن" ودورية "فورين أفيرز"، فقد ركز العديد من المحللين الغربيين على نقطة جوهرية يعبرون عنها بالفجوة في القدرة على تحمل التكاليف والخسائر، حيث تمتلك الأمة التي تتبنى ثقافة الشهادة قدرة غير متناظرة على احتمال الخسائر البشرية والاقتصادية والتضحية الباهظة في سبيل الله وتحقيق غاياتها الاستراتيجية، في مقابل مجتمعات وجيوش غريبة تعاني من حساسية مفرطة تجاه أي خسارة، وتنهار شرعيتها السياسية مع توالي وصول أكياس الجثث أو ارتفاع التكاليف الاقتصادية.

مفهوم التضحية في مواجهة التكاليف المادية

وفي هذا السياق يشير مراقبون في واشنطن إلى أن العقيدة العسكرية الأمريكية التي تعتمد على مبدأ الصدمة والرعب لشل إرادة الخصم، تفقد فاعليتها أمام طرف يعتبر أن التضحية بالنفس واستشهاد القادة نجاحا عقائديا وإيمانيا وليس هزيمة عسكرية.

ومن هنا يرى الخبراء العسكريون الغربيون أن هذه القدرة الاستثنائية على التحمل هي التي تجعل الضربات الجوية وسياسات الاغتيال والوصول إلى القادة، تجعلها قاصرة ومحدودة التأثير، فالأمة المؤمنة تترجم الضربة والخسارة المادية والقيادية إلى وقود للتعبئة واستنهاض أبنائها، ما يُغرق واشنطن وحلفاءها في فخ استنزاف مالي وعسكري لا يمتلكون المدى السياسي أو المجتمعي لتحمله، ويجعل الكلفة الاستراتيجية للاستمرار أعلى بكثير من أي مكاسب قد يحققونها.

أمة الشهادة عصية على الانكسار

إن ثقافة الجهاد والشهادة تشكل في المحصلة عقبة غير قابلة للاختراق أمام الهيمنة والمشاريع الخارجية، تتعدى صفتها أداة مواجهة ميدانية لتصبح صيغةَ بنيةٍ فكرية ونفسية متكاملة ترفض الهزيمة الشاملة، وتلغي فاعلية أدوات الضغط والنفوذ التقليدية، وتضمن استمرارية الرفض والمقاومة مهما بلغت الفوارق في القوة المادية والتكنولوجية.