نحن في هذه المرحلة في أمس الحاجة كمسلمين؛ لأن هذا الانتماء يفرض علينا التزامات عملية، نحن في أمس الحاجة إلى أن نحدد الخيارات من واقع انتمائنا للإسلام على أساس من اقتدائنا بالنبي "صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَـيْهِ وَعَلَى آلِه". لم يكن النبي شخصيةً وديعةً بالطيبة التي نفهمها ورسمت في ذهنية الكثير عن المتدين: [شخص مسكين، جبان، ضعيف النفس، منكسر النفس، ليس عنده أي تحمل للمسؤولية في مواجهة أي تحديات ولا أخطار] |لا|، ها هو النبي، من موقعه في النبوة، بأمر من الله ربه، يلبس لامة الحرب، يحمل سلاح الحرب، نبي معه سيف، معه درع (فيما بعد امتلك درعاً)، ويتحرك تحركاً في كل المسارات، يتحرك تحركاً عسكرياً، يتحرك في كل الاتجاهات، لكن على أساسٍ من الحق وبالحق، ولا يخرج عن مسار الحق أبداً، اتخاذ القرار في التحرك على أساس من الحق: المظلومية، القضية التي يحارب عليها، المشروع الذي يحارب عليه، حق حق، ثم الممارسات كلها يحكمها الحق وتخضع لمعايير الحق.

ويتحرك النبي "صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَـيْهِ وَعَلَى آلِه" عسكرياً، وعلى مسافة بعيدة في غزوة بدر، يعني: كما يقال أن المسافة أكثر من 160 كيلو متراً، وجزءٌ كبيرٌ منها مشياً على الأقدام؛ لأن وسائل النقل لديهم، التي هي: عبارة عن الجمال- آنذاك- كانت قليلة لدى المسلمين.

النبي "صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَـيْهِ وَعَلَى آلِه" تحرك، لم يكن بالإمكان أن يكتفي بالدعاء، فيقول: [اللهم عليك بهم، اللهم دمرهم وزلزل الأرض تحت أقدامهم واخسف بهم الأرض، اللهم أهلكهم ولا ننشغل بهم أبداً، واكفنا هم حتى لا ننزعج بهم على الإطلاق ولا نحتاج إلى أن ندخل معهم في أي مشكلة]. |لا| اليوم أليس الكثير من المنتسبين للإسلام، من المتدينين، يرون أنه بالإمكان الاكتفاء بالدعاء، لا يمكن الاكتفاء بالدعاء، الدعاء يفيد عندما يكون من موقع المسؤولية وفي إطار المسؤولية، تقول: {رَبَّـنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً} هذا دعاء يرتبط بالمسؤولية؛ لأنه ليس دعاء من يريد أن لا يعمل، إنه دعاء من يعمل ويستمد من الله، أن يمده الصبر، لكي يعمل المزيد، هنا الفارق، {رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا}[البقرة الآية: 250]، دعاء من يريد أن يكون في الميدان، وليس دعاء الذي لا يريد أن يتحرك في الميدان، ثم يأتي فقط ليدعو على العدو بالهلاك، والزوال، والفناء، والنهاية الحتمية العاجلة المبكرة، دون أي اصطدام بالعدو، ولا مواجهة أي مشاكل ولا عناء. |لا| {ثَبِّتْ أَقْدَامَنَا} دعاء من يريد أن ينزل إلى الميدان، {وَانصُرْنَا} دعاء من يريد أن يتحرك، نصرة من موقع الحدث، من موقع المسؤولية، نصرة من يتحرك في الموقف (من له موقف).

النبي "صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَـيْهِ وَعَلَى آلِه" لم يكن مثلاً: لا من خلال منزلته الرفيعة يمكن أن يكتفي بالدعاء، ولا من خلال ما هو عليه من مبادئ عظيمة، وقيم راقية، وأخلاقيات عالية (أكمل البشر أخلاقاً، وأرقى الناس قيماً )، رجل القيم، رجل المبادئ، رجل الأخلاق، رجل الخير، رجل الرحمة، قال الله عنه: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء الآية: 107]، رجل الفضائل، كل ما هو عليه من الفضائل، وهو على أرقى مستوى منها، وفي المحل الأعلى والمنزل الأعلى منها، من القيم، من الأخلاق الرفيعة والعالية والعظيمة، {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم الآية: 4]، من الحكمة، رجلٌ نستطيع القول بكل اطمئنان أنه لم يصل من كل بني آدم إلى مرتبته في الحكمة بشر.

 

السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي "يحفظه الله"

المحاضرة الرمضانية الحادية عشرة: 18 رمضان 1438هـ