موقع أنصار الله . تقرير
قبل فجر الحادي والعشرين من سبتمبر 2014، كان اليمن يعيش واحدة من أكثر مراحل تاريخه الحديث اختناقًا، دولة مثقلة بالوصاية، ومؤسسات عسكرية وأمنية جرى تفكيك كثير من عناصر قوتها، وقرار سياسي شديد الارتهان للخارج، وسماء مفتوحة أمام الطائرات الأجنبية، وأرض تتحرك فوقها شبكات الإرهاب والاغتيال والتفجيرات، فيما كانت الأسلحة الاستراتيجية، التي يفترض أن تشكل مظلة حماية للبلاد، تتعرض للتدمير أو التعطيل أو الإقصاء من معادلة القوة.
لم تكن المشكلة آنذاك في كمية السلاح وحدها، وإنما في طبيعة القرار الذي يتحكم فيه، فالسلاح الذي لا يملك قرار استخدامه لا يتحول إلى قوة ردع، والجيش الذي تُعاد هندسته بعيدًا عن عقيدة الدفاع الوطني يفقد تدريجيًا وظيفته الأساسية. ومن هنا يمكن فهم جانب مهم من الصراع الذي سبق ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر؛ فقد كان الصراع على الجيش اليمني في جوهره صراعًا على مستقبل اليمن نفسه، وعلى قدرته على امتلاك قرار الحرب والسلم، وعلى حقه في أن تكون له قوة عسكرية تحمي حدوده وسيادته.
في تلك المرحلة، كانت الولايات المتحدة صاحبة نفوذ واسع في تفاصيل المشهد الأمني والعسكري، بينما كانت الجماعات التكفيرية تتوسع في بيئة مضطربة، وعمليات الاغتيال والتفجير تضرب المؤسسات العسكرية والأمنية والمدنية على السواء، وكانت الطائرات الأمريكية من دون طيار تحلق في الأجواء اليمنية وتنفذ عملياتها، فيما كانت البلاد تتجه تدريجيًا نحو مزيد من التفكك.
استعادة القرار السياسي كان الوجه الأول للتحول؛ أما الوجه الأكثر عمقًا فكان إعادة بناء القوة العسكرية على أساس مختلف، ولهذا كان الصدام حتميًا مع القوى التي رأت في الثورة تهديدًا لمعادلات النفوذ القائمة، فبعد أشهر قليلة جاء العدوان الأمريكي السعودي الذي بدأ في مارس 2015.
كان ميزان القوة في بداية الحرب شديد الاختلال: طائرات حديثة، وقاذفات ومقاتلات متطورة، وأسلحة أمريكية وغربية الصنع، ودعم استخباري ولوجستي، وتحالف عسكري يمتلك تفوقًا هائلًا في التكنولوجيا والقدرات الجوية، وفي المقابل كان اليمن خارجاً من سنوات طويلة من الاستنزاف، وتعرضت بنيته العسكرية لضربات واسعة منذ الأيام الأولى للحرب.
كان الرهان واضحًا ويقوم على تدمير مخازن السلاح، وضرب مراكز القيادة، وشل القوة الصاروخية، ومنع أي إمكانية لإعادة بناء القدرات العسكرية، غير أن الحرب أنتجت نتيجة مغايرة تمامًا لما كان متوقعًا؛ إذ تحولت الحاجة إلى السلاح إلى حافز للتصنيع، وتحول الحصار إلى مدرسة في الهندسة العسكرية، وأصبح الاعتماد على الخارج مشكلةً ينبغي تجاوزها لا قدرًا ينبغي الاستسلام له.
في السنوات الأولى، كان الفارق بين الطرفين هائلًا: مقاتل يمني يحمل بندقية أو رشاشًا يقف في مواجهة مقاتلات حديثة ودبابات وطائرات أباتشي ومنظومات استطلاع متقدمة، لكن مع استمرار الحرب بدأ ميزان القوة يتغير من زاوية أخرى.
ظهرت الصواريخ محلية التطوير، وتطورت قدرات المدفعية والطائرات المسيّرة، ثم بدأت المنظومات المختلفة تعمل ضمن شبكة أكثر تعقيدًا. ولم تعد القضية مجرد امتلاك صاروخ قادر على الوصول إلى مسافة معينة، وإنما بناء منظومة تستطيع الرصد، وتحديد الهدف، وإطلاق السلاح، وإدارة العملية، ثم إعادة إنتاج الوسيلة القتالية بصورة متكررة.
وهنا بدأت معادلة الردع اليمنية تتشكل، فالصاروخ أصبح رسالة استراتيجية بأن صنعاء تستطيع الوصول إلى مناطق كانت تُعد بعيدة عن دائرة التهديد. ومع انتقال الصواريخ إلى نطاقات أوسع، ظهرت مرحلة جديدة تجاوز فيها الصراع الجغرافيا اليمنية نفسها.
كانت صواريخ «الصرخة» و«الزلزال» وغيرها من النماذج الأولى جزءًا من مرحلة التأسيس، ثم جاءت منظومات أكثر تطورًا ومدى، وصولًا إلى «بركان-1» وما تلاه من نماذج. ومع وصول الصواريخ اليمنية إلى مناطق داخل العمق السعودي، بدأت الرياض تواجه حقيقة مختلفة: الجغرافيا التي كانت تمنحها شعورًا بالأمان لم تعد كافية وحدها لحماية منشآتها ومطاراتها ومراكزها الحيوية.
وهنا يكمن أحد أهم التحولات في الحرب، فقبل ذلك كان القصف يأتي باتجاه واحد تقريبًا؛ طائرات العدوان تضرب المدن والمنشآت اليمنية، بينما كان الطرف اليمني يحاول الدفاع ضمن إمكانات محدودة. أما بعد تطور القوة الصاروخية والطيران المسيّر، فقد أصبح العمق السعودي نفسه جزءًا من مسرح العمليات، فلم تعد المسألة متعلقة بجبهة حدودية أو موقع عسكري قريب من اليمن، وإنما أصبحت منشآت في جدة والرياض ومناطق أخرى ضمن الحسابات العسكرية، وفق ما أعلنته القوات المسلحة في مراحل مختلفة من الحرب. وهكذا انتقل الرد اليمني من محاولة امتصاص الضربة إلى محاولة فرض تكلفة مقابلة.
كان دخول الطائرات المسيّرة إلى المعركة نقطة تحول أخرى، فهذه الطائرات -مقارنة بالطائرات الحربية التقليدية- تتيح بناء قدرة هجومية بتكلفة أقل نسبيًا، وتمنح الطرف الذي لا يمتلك سلاح جو تقليديًا واسعًا وسيلة للوصول إلى أهداف بعيدة.
وفي عام 2019 ظهرت إحدى أكثر العمليات دلالة على هذا التحول، عندما أعلنت القوات المسلحة اليمنية تنفيذ عملية «التاسع من رمضان» بطائرات مسيّرة استهدفت منشآت نفطية سعودية. وبعد أشهر، جاءت عملية استهداف منشأتي بقيق وخريص في سبتمبر 2019، والتي كان أثرها الاستراتيجي واضحًا: منشآت النفط السعودية أصبحت جزءًا من حسابات المخاطر العسكرية.
وهنا بدأ يتشكل نوع جديد من الردع. فالردع التقليدي يقوم غالبًا على امتلاك قوة قادرة على تدمير قوة الخصم العسكرية، أما في الحالة اليمنية، فقد أخذ الردع شكلًا مختلفًا، القدرة على تهديد منشآت اقتصادية وحيوية في العمق، بحيث تصبح تكلفة الحرب نفسها جزءًا من المعادلة، وهذه النقطة بالذات تفسر لماذا لم تعد الحرب بالنسبة إلى السعودية مجرد عملية عسكرية على الحدود الجنوبية؛ فقد أصبحت مرتبطة بحسابات الطاقة والاستثمار والتأمين والمنشآت الحيوية وصورة الاستقرار الاقتصادي.
لقد كان اليمن الفقير والمحاصر يحاول بناء معادلة تقول إن امتلاك السلاح لا يقاس فقط بسعر المنظومة العسكرية، وإنما بقدرتها على فرض تكلفة على الطرف الذي يمتلك التكنولوجيا والمال والتفوق الجوي.
مع مرور السنوات، لم تعد المواجهة اليمنية السعودية هي الإطار الوحيد لفهم تطور القدرات العسكرية اليمنية، فقد دخلت الولايات المتحدة بصورة مباشرة في مسار التصعيد، خصوصًا مع توسع العمليات اليمنية في البحر الأحمر خلال العدوان الصهيوني على غزة. وهنا ظهرت معادلة مختلفة تمامًا. فالولايات المتحدة تمثل قوة عسكرية عالمية تمتلك حاملات طائرات ومدمرات ومنظومات دفاع جوي وصاروخي وقدرات استطلاع واستخباراتية هائلة، ومع ذلك، وجدت هذه القوة نفسها أمام سلاح يمني منخفض الكلفة نسبيًا مقارنة ببعض الوسائط الأمريكية الباهظة، سواء في الصواريخ أو الطائرات المسيّرة أو الوسائل البحرية، ولهذا اكتسبت المعركة البحرية أهمية تتجاوز اليمن نفسه.
وخلال المعركة في البحر الأحمر مع البوارج الأمريكية كلما ارتفعت تكلفة اعتراض صاروخ أو طائرة مسيّرة، وكلما اضطرت القطع البحرية المتقدمة إلى تشغيل منظومات دفاعية باهظة الثمن لمواجهة وسائل أقل تكلفة، ظهرت مشكلة اقتصادية وعسكرية داخل معادلة الاشتباك. وهذا كشف أن اليمن امتلك تفوقًا عسكريًا على الولايات المتحدة؛ ما يعني أن الحرب غير المتكافئة تستطيع خلق نقاط ضغط على القوة الأكبر بكثير.
وهذه إحدى أهم الدروس التي أنتجتها التجربة اليمنية، لا يشترط امتلاك جيش أكبر حتى تستطيع التأثير في حسابات قوة أكبر؛ يكفي أحيانًا امتلاك وسائل تستطيع الوصول إلى نقاط حساسة، وفرض كلفة سياسية واقتصادية وعسكرية على الخصم.
لقد انتقلت صنعاء من الدفاع عن الأراضي اليمنية إلى الاشتباك مع القطع العسكرية الأمريكية والإسرائيلية في البحر الأحمر، وبذلك دخل السلاح اليمني للمرة الأولى بصورة واضحة في اختبار مباشر مع القوة العسكرية الأمريكية.
وهنا تطورت وظيفة السلاح اليمني مرة أخرى، فالصاروخ والطائرة المسيّرة لم يعودا مجرد وسيلة للرد على غارات تستهدف اليمن، وإنما تحولا إلى أدوات ضغط مرتبطة بمسرح إقليمي أوسع، وأصبح الكيان الإسرائيلي نفسه ضمن دائرة الاستهداف المعلن.
ظهرت صواريخ بعيدة المدى وطائرات مسيّرة، وأعلنت القوات المسلحة اليمنية استخدام منظومات صواريخ فرط صوتية وطائرات مسيرة بعيدة المدى، ومع كل عملية في العمق الصهيوني كان العدو الأمريكي الإسرائيلي يشعر بقلق أكثر، فأن تنشأ قدرة عسكرية من بلد محاصر تستطيع الوصول إلى مسافات بعيدة، وتفرض على منظومات دفاعية متعددة الطبقات أن تتعامل معها يُعَدُّ تطورا ملحوظا ينبغي التوقف عنده كثيرا.
يمكن قراءة تطور التجربة اليمنية خلال أكثر من عقد عبر ثلاث دوائر مترابطة:
الدائرة الأولى هي السعودية، وهنا انتقلت المعادلة من محاولة حماية الحدود إلى القدرة على تهديد العمق، فالرياض والمنشآت النفطية والمطارات والمنشآت الحيوية أصبحت ضمن نطاق العمليات المعلنة في مراحل مختلفة، وأصبح الأمن الاقتصادي جزءًا من الأمن العسكري.
الدائرة الثانية هي الولايات المتحدة، وهنا انتقلت المواجهة من حرب إقليمية إلى اختبار لقدرة قوة غير متكافئة على إزعاج قوة عالمية، وفرض استهلاك مستمر للموارد الدفاعية، وإجبار القوات البحرية والجوية على التعامل مع تهديدات متعددة ومن مسافات مختلفة.
أما الدائرة الثالثة فهي "إسرائيل"، وهذه الأكثر دلالة من ناحية الجغرافيا؛ لأن اليمن بعيد آلاف الكيلومترات عن فلسطين المحتلة، ومع ذلك أصبحت الصواريخ والطائرات المسيّرة اليمنية قادرة على إدخال العمق الإسرائيلي ضمن مسرح العمليات، وهنا تكمن قيمة التطور التقني أكثر من قيمة السلاح نفسه، فالمسافة التي كان يُفترض أن تكون حاجزًا طبيعيًا أمام اليمن لم تعد كذلك الآن.