منذ سنوات، لم تعد خيوطُ المشهد اليمني المعقّد خافية على القوى الوطنية الواعية في صنعاء، التي أدركت مبكرًا طبيعة الصراع وحدوده، وأدواته، وأهدافه الحقيقية.

غير أن هذه الحقيقة، على وضوحها، ما زالت غائبة – أَو مغيَّبة – لدى شريحة واسعة من أبناء شعبنا في المناطق الواقعة تحت الاحتلال والوصاية، ممَّن يُدفَع بهم اليوم إما إلى ساحات القتال أَو إلى مقاعد المتفرجين.

ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجةُ إلى طرحِ الأسئلة بصوتٍ عالٍ، لا من بابِ الجدل أَو المكايدة، بل بدافعِ المسؤولية الوطنية، علّها توقظُ ما تبقّى من وعي وغَيرة، وتدفعُ نحو مراجعة شجاعة للمواقف، واتِّخاذ خطوات عملية تصب في اتّجاه إسناد صنعاء في معركة التحرّر الوطني واستعادة الأرض والقرار.

 

تبادل الأدوار: وجهان لعملة واحدة

فـ "الانتقالي" و"درع الوطن"، وجهان لعُملة واحدة، وما يُروَّج له اليوم على أنه صراع بين “قوى محلية” في الجنوب، لا يعدو كونه صراعًا بين أدوات إقليمية تتنازعُ النفوذ على الجغرافيا اليمنية.

المجلس "الانتقالي": ليس سوى تيار عسكري وسياسي ترعاه دولة الإمارات، وتديره بأدوات محلية، وظيفتُه تنفيذ أجندة أبوظبي في الجنوب اليمني، والتحكُّم بالموانئ والجزر والثروات.

"درع الوطن": في المقابل، فإنَّ ما يسمى بـ "درع الوطن" ليس كَيانًا وطنيًّا مستقلًّا، بل تشكيل عسكري أنشأته وترعاه السعوديّة، بأدوات محلية أَيْـضًا، خارج أي إطار سيادي أَو مؤسّسي يمني حقيقي.

ومن هنا يفرضُ السؤال نفسه بوضوح: ماذا يعني لليمني أن ينتصرَ أحدُ الطرفين؟ طالما أن النتيجةَ النهائيةَ لا تصُبُّ إلا في مصلحة الرياض أَو أبوظبي، لا في مصلحة اليمن أرضًا وإنسانًا وسيادة؛ فالمنتصِرُ الحقيقي في هذا الصراع ليس مشروعًا وطنيًّا يمنيًّا، بل الدولة الراعية، فيما يُستنزَفُ اليمنيون وقودًا لمعركة لا تمثِّلُهم.

 

أسئلة تفضحُ "شرعيةَ" الأدوات

وبقراءة متأنية للمشهد تكشفُ عن جُملةٍ من الأسئلة الجوهرية، التي تفضح حقيقة ما يجري، خُصُوصًا فيما يتعلق بالأدوات الأُخرى التابعة للسعوديّة، والتي يجري اليوم تهميشها أَو تحييدها عمدًا:

لماذا لم تتحَرّك السعوديّةُ تحت غطاء ما يسمى بـ "الجيش الوطني" ووزارة الدفاع وهيئة الأركان التابعة لها رسميًا؟ أليست هي من أنشأت هذا الجيش، وروّجت له سنوات طويلة؛ باعتبَاره “الجيش الشرعي”؟

ما مصيرُ هذا الجيش الضخم المكدِّس في مأرب، ولماذا يُترَكُ خارج أية مواجهة حقيقية، رغم ما يمتلكه من عديد وعتاد؟

لماذا تلجأ السعوديّة إلى إنشاء كَيان جديد باسم "درع الوطن"، بدلًا عن تفعيل المؤسّسات العسكرية الموالية لها والقائمة –شكليًّا على الأقل-؟

ولماذا لا يرفع "درع الوطن" عَلَمَ الجمهورية اليمنية، إن كان فعلًا كَيانًا وطنيًّا؟ ولماذا لا يمثل أي تيار سياسي يمني من تلك القوى التي انحازت للسعوديّة، أَو يخضع لمرجعية وطنية واضحة ومعترَف بها شعبيًّا؟

هذه الأسئلةُ وحدَها كفيلةٌ بكشف حقيقة الدور والوظيفة، بعيدًا عن الشعارات والعناوين المضللة؛ إذ تسعى السعوديّةُ كما الإمارات إلى اختزال المسألة في أشخاص موالين، والترويج لفكرة أن "درع الوطن" تابعٌ لشخص، مثل رشاد العليمي أَو غيره، وهم شخوصٌ نعي تمامًا أنه يمكن الاستغناء عنهم أَو تصفيتهم سياسيًّا بعد انتهاء أدوارهم.

 

المنظومة الأكبر: النفوذُ الأمريكي الصهيوني

المخطّطُ أكبر من هذه الأدوات كما هو أكبرُ من الأدوات الإقليمية؛ الأمر يتعلقُ بمنظومة نفوذ أمريكية صهيونية، وبإدارة أدوات، تُنشأ وتُلغَى وتُعاد صياغتها وفقًا لحاجة الراعي الخارجي، لا وفقًا لمصلحة اليمن أَو إرادَة شعبه، والأشخاص يتغيرون، أما الوظيفة فتبقى واحدة.

والخلاصة: إذَا كان الصراعُ الدائر اليوم هو صراع أدوات سعوديّة في مواجهة أدوات إماراتية، فإن السؤال الذي ينبغي أن يُطرَحَ بجرأة وصدق هو: ما الذي سيجنيه اليمنيون من أية مواجهة سعوديّة مع "الانتقالي"؟ وأي “نصر” هذا الذي لا يعيد سيادة، ولا يحرّر أرضًا، ولا يستعيد قرارًا وطنيًّا مستقلًّا؟ هل هناك فعلًا مشروع وطني يمني في هذا المشهد؟ أم أننا أمام إعادة توزيع أدوار بين رعاة خارجيين، فيما تبقى اليمن هي الخاسر الأكبر؟

إن الإجَابَة الصادقة على هذه الأسئلة تفرض على كُـلّ القوى والشخصيات الوطنية في المناطق المحتلّة مراجعة مواقفها خلال عشرة أعوام من الرهانات الخاسرة، والانحياز بوضوح إلى معركة التحرّر الوطني التي تقودها صنعاء؛ باعتبَارها اليوم العنوانَ الأبرزَ للسيادة والاستقلال ورفض الوصاية.