درج المؤرخون – منذ القدم – على توثيق سردياتهم التاريخية، بالاستناد إلى إحدى طريقتين؛ إما باحتساب زمن الحدث الأبرز في حياة المجتمع، كالقول إن فلانًا وُلد بعد القحط بعام، أَو قبل موت ثور بيت فلان بعامين، وإما باحتساب زمن مرتبط بشخصيات بارزة في مجتمعها، مثل القول إن زواج فلان كان في عهد الحاكم فلان، أَو بعد وصول القاضي فلان، وهكذا.

ومثلما ارتبط التاريخ الرسمي بأشخاص ممثلي السلطة، ارتبط التاريخ الشعبي بمركزية أحداثه الخَاصَّة، وبمرور الزمن سادت طريقة واحدة لاحتساب التسلسل الزمني في السردية التاريخية، وهي تجمع بين مركزية الفعل – الحدث، ومركزية الفاعل – الإنسان معًا.

فالتقويم الميلادي الشمسي ارتبط بحدث مركزي هو ميلاد المسيح – عليه السلام – بوصفه نقطةً فاصلةً بين ما قبله وما بعده، وبامتداده إلى وقتنا الحاضر، وإلى ما شاء الله تعالى.

وكذلك بالنسبة للتاريخ الهجري، الذي ارتبط بمركزية الحدث – الهجرة النبوية الشريفة – بوصفها نقطة زمنية فارقة في تاريخ البشرية، وبشخص النبي محمد – صلى الله عليه وآله وسلم – بوصفه مركز الحدث وفاعله وصانع متغيراته، لتصبح تلك النقطة الزمنية هي منطلق مسار الأحداث ومرتكز تحولات التاريخ.

ولكن ما دلالة تفرد اليمنيين بطريقة تأريخية مختلفة، مغايرة للمألوف في طريقة حساب التسلسل الرقمي للزمن، وفقًا لعمر الفعل – الحدث المركزي، إلى المسمى الزمني الصرف، الخالي من الدلالة على التسلسل الرقمي لليوم والعام، والمفتقر إلى الدلالة على الحدث المركزي المشهور؟ وكيف يمكن قراءة "جمعة رجب" في سياقها الزمني والاجتماعي والفكري والثقافي؟

رغم اكتمال بنية المركب الاسمي "جمعة رجب"، إلا أن دلالته الزمنية افتقرت إلى تعيين التسلسل الرقمي لليوم "جمعة"، أَو الشهر "رجب"، ولم تكن الدلالة المطروحة كافية لإيضاح القصدية المطلوبة، وهو ما يحتم إعادة قراءة وتحليل المركب الاسمي "جمعة رجب"، وتفكيك مكونات بنيته؛ حَيثُ تشير كلمة "جمعة" بدون أل التعريف إلى أحد أَيَّـام الأسبوع – اليوم الأخير – وهو يوم مقدس وله فضل عظيم على سائر الأيّام، خَاصَّة في الموروث الديني الإسلامي.

كما تدل كلمة "رجب" على مسمى الشهر السابع في التقويم الهجري، وهو شهر مقدس من الأشهر الحرم.

وبذلك يمكن القول إن المركب الاسمي "جمعة رجب" يحمل معنى التعظيم والحرمة والقداسة المركبة، بإضافة اليوم المعظم – الجمعة، – إلى الشهر الحرام – رجب – في رمزيتهما الدينية وموقعهما من التفضيل الإلهي.

لكن هذا السياق الدلالي العام لا يكفي لتفسير ارتباط اليمنيين بذلك المعطى التأريخي المقدس؛ حَيثُ يفترض أن يكون هناك نسق دلالي خاص في علاقة اليمنيين بـ"جمعة رجب"، وهو ما تفصح عنه شواهد التاريخ، التي أكّـدت أن يوم "جمعة رجب" قد حمل جلالة الحدث المقدس المعظم ذي المكانة العالية عند اليمنيين خَاصَّة، وفي مسار التاريخ الإسلامي عامة.

وهو حدث عظيم ارتبط مباشرة بحركة الدين الإسلامي، كما ارتبط بذوات أشخاصه الفاعلين فيه؛ حَيثُ توثق كتب التاريخ – في ذلك اليوم – حادثة وصول الإمام علي – عليه السلام – مبعوث رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – إلى أهل اليمن، وبالذات إلى صنعاء، المركز الإداري والسياسي والحضاري لليمن، لدعوتهم إلى الإسلام.

وما إن قرأ عليهم رسالته الشريفة حتى أعلنوا إسلامهم الكائن سلفًا، ودخلوا في دين الله أفواجًا، وأسلمت همدان كلها في يوم واحد.

ولما بلغ النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – ذلك الخبر سجد شكرًا لله، ثم قال: "السلام على همدان" ثلاثًا، وَأَضَـافَ مخاطبًا أصحابه: "أتاكم أهل اليمن، هم أرق قلوبًا وألين أفئدة، الإيمان يمان والحكمة يمانية".

وبهذا تنكشف عظمة الحدث الذي جعل الرسول الأعظم يسجد شكرًا لله تعالى ويفرح لإسلام أهل اليمن دون سائر من أسلموا من الناس، كون إسلام أهل اليمن حدثًا فارقًا في مسيرة الدين الإسلامي، فهم نصر الله والفتح الأعظم.

وعلى هذا النحو تتوالى مدلولات عظمة الحدث وتداعياته وفاعلية شخوصه، في مسار دلالي تصاعدي فعليًّا وزمنيًّا، يرتبط بحركة التاريخ ومسار الدين الإسلامي، حَيثُ تصبح "جمعة رجب" أكثر من مناسبة دينية أَو طقس تعبدي روحي، كونها شهادة على عظمة الدور وفاعلية الحضور الجمعي اليمني في مسيرة الدين والارتقاء الحضاري.

يمكن القول إن "جمعة رجب" قد حملت في مبناها ومعناها صورة الهُوية الإيمانية المتأصلة في وجدان الشعب اليمني منذ القدم، والممتدة في مسيرة حياته إلى ما شاء الله تعالى؛ حَيثُ أصبح "الإيمان يمان" بدلالة الاختصاص المطلق لليمنيين – دون غيرهم – بكينونتهم الإيمانية، واشتمالهم على روح وحقيقة الإيمان.

ومن أراد معرفة الإيمان أَو الاتصاف والتحلي به، فليعلم أن "الإيمان يمان".

وهذا المستوى من التماهي والتمازج بين اليمنيين كأفراد، والإيمان كمعتقد، يؤكّـد أن اليمنيين لم يكونوا خارج الإسلام حتى يدخلوه كما دخله غيرهم، بل كانوا في صميمه وفي أعماقه.

ولم يكن مجيء الإمام علي – عليه السلام – إلا مصداقًا لنبوءة ارتبط إعلان إسلامهم بها.

وكان تبشير ملكهم سيف بن ذي يزن لعبد المطلب بالنبي محمد – صلى الله عليه وآله وسلم – إحدى مروياتهم الشفاهية التي أثبت التاريخ الرسمي بعضها وأغفل كَثيرًا منها.

كما لم يكن مجيء الإمام علي – عليه السلام – أول علمهم ومعرفتهم بالإسلام؛ فقبل ذلك كان قد وصل خبر النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – إلى ملكهم باذان الفارسي، الذي أسلم في العام السابع، وأسلم بعده الملك أبو زرعة بن سيف بن ذي يزن وغيره من الحكام والملوك آنذاك.

وبذلك يمكن القول إن "جمعة رجب"، في سياقاتها التاريخية والثقافية والدينية والفكرية، قد قدمت الشاهد على عظمة الهُوية الإيمانية اليمنية المتأصلة في صميم التكوين الروحي الإيماني للشخصية اليمنية في مجموعها المجتمعي اليماني، الذي شرفه الرسول الأكرم – صلى الله عليه وآله وسلم – بأكرم وأطهر وأقدس إنسان من بعده، أمير المؤمنين علي بن أبي طالب – عليه السلام – وشهد له الرسول الأعظم بكمال اختصاصه بالإيمان وكماله دون غيره من الشعوب، مؤكّـدًا تزكية الله تعالى لليمنيين، وإشادته بعظمة دورهم وحضورهم، حين حصر نصره وفتحه فيهم، وسماهم "الناس" دلالة على عظمة دورهم الجمعي، فقال تعالى:

"إذا جاء نصر الله والفتح * ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجًا * فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابًا".

فـ هُم المبدأ وبهم الختام، وبهم تستمرُّ مسيرةُ المشروع القرآني الإلهي العظيم.