أطلَّ علينا هلالٌ ينسجُ من نورِهِ فجرًا جديدًا للأرواح، واستبشرتْ ملكوتُ السماواتِ والأرض بقدومِ ضيفٍ لا يزورهُ الزمانُ إلا مَرةً في العام، ليغسلَ القلوبَ ببردِ الطمأنينةِ ويجلوَ عنها رانَ الغفلة.

ها هو العالمُ العربي والإسلامي في مشارق الأرض ومغاربها، يفتحُ أبواب الرجاء ويشرعُ نوافذَ القلوب لاستقبال "شهر الله"، شهرِ القرآن العظيم، الذي تتنزلُ فيه الرحماتُ كالغيثِ الهتّان، وتصطفُّ فيه الأرواح في معراجِ العبوديةِ الخالصة لله الواحدِ القهار.

إنه شهرُ الصيامِ والقيام، شهرُ العبادةِ والجهاد، وزكاةِ النفسِ وتصفيةِ القلوب، الشهرُ الذي اختصَّهُ اللهُ بكرامةٍ لم ينلها غيرُه، فقال سبحانه وتعالى في محكم التنزيل: ((شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القرآن هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)).

 

حقيقة الصيام وهجرة الشهوات

وفي هذا المحفل الإلهي، لا يقفُ الصومُ عند حدودِ الجوعِ والعطش، بل هو هجرةٌ كاملةٌ من عالم الشهوات إلى عالم الطاعات؛ صومٌ تخرسُ فيه الألسنُ عن لغوِ القول، وتكفُّ فيه الجوارحُ عن المعاصي، وتترفعُ فيه النفوسُ عن حطامِ الدنيا الفاني.

هو الشهرُ الذي تُضاعفُ فيه الأجور، وتتزاحمُ فيه الصدقاتُ لتسدَّ خلةَ الفقير، وتُجبرَ كسرَ المنكسرين.

 

رمضان شهر الجهاد والكرامة

وليس رمضانُ شهرَ دعةٍ وخمول، بل هو شهرُ الجهادِ الأكبر في مغالبةِ النفس، وشهرُ الجهادِ الأصغر في مقارعةِ الظلم؛ ففيه كانت غزواتُ النبيِّ الكبرى، وفيه صُنعتِ المعجزاتُ التي غيرتْ وجهَ التاريخ.

وفي ليلةٍ منه، يختبئُ سرُّ الوجودِ وعظمةُ الخالق، ليلةُ القدرِ الفضيلة التي تستبشر الأرض فيها بالملائكة، كما قال جلَّ وعلا: ((إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ ألف شَهْرٍ)).

وكان أميرُ المؤمنين عليُّ بن أبي طالب -عليه السلام- يستقبلُ هذا الشهرَ بقلبٍ يرتجفُ هيبةً وشوقًا، وهو القائلُ في حكمةِ الصيام: "الصيامُ اجتنابُ المحارمِ كما يمتنعُ الرجلُ من الطعامِ والشراب"، وكان يحثُّ على استثمار كُـلّ لحظةٍ فيه لنيْلِ العتقِ من النار؛ فالعمرُ يمضي، وهذا الشهرُ مَحطةٌ للتزودِ لدارِ البقاء، أولُهُ رحمة، وأوسطُهُ مغفرة، وآخرُهُ عتقٌ من النار.

 

دعاء الختام والعهد الجديد

يا لَه من شهرٍ أغر، يجمعُ شتاتَ الأُمَّــة على مائدةِ التقوى، ويعلمُنا أنَّ الصبرَ هو مفتاحُ النصر، وأنَّ القلوبَ لا تطمئنُ إلا بذكرِ الله.

فاستقبلوهُ بالبشرِ والسرور، وعمّروا ليلَهُ بالصلاةِ والقيام، ونهارَهُ بالعملِ والصيام، واجعلوا منه انطلاقةً لعهدٍ جديدٍ من المحبةِ والتآخي والإخلاص.

اللهمَّ يا من بيدهِ ملكوتُ كُـلّ شيء، نسألكَ مع إهلالِ هذا الشهرِ المبارك أن تُصفي قلوبنا من الغلِّ والحسد، وتُطهرَ نفوسنا من الشقاقِ والنفاق، وتجمعَ شملنا على ما تُحبُّ وترضى.

اللهمَّ اجعلنا ممن صامَ الشهرَ واستكملَ الأجر، وأدرك ليلةَ القدر، وفازَ منك بعظيمِ العفوِ والغفر.

اللهمَّ أصلحْ حالَ العباد، واكشفْ الغمةَ عن هذه الأُمَّــة، واجعلنا من عتقائك من النار بفضلكَ وكرمكَ يا أكرم الأكرمين، وصلى اللهُ وسلمَ على نبينا محمدٍ وعلى آلهِ الطيبين الطاهرين.