تشهد البحار في المرحلة الراهنة انتشارًا متزايدًا لحاملات الطائرات والأساطيل الحربية التابعة لأمريكا، بالتوازي مع تعزيز قواعدها العسكرية في البر وإعادة تموضع قواتها في مناطق حساسة من الشرق الأوسط.

هذا التحَرّك لا يأتي في سياقٍ اعتيادي، بل يعكسُ حالةَ استنفار واضحة تهدف – وفق المؤشرات السياسية والعسكرية – إلى حماية مشروعها الاستراتيجي وفي مقدمته دعم كيان الاحتلال المزروع على أرض فلسطين.

إن قراءة هذا الانتشار من زاوية عسكرية بحتة قد توحي بأنه إجراء ردعي أَو استباقي، غير أن القراءة الأعمق تكشف أنه أقرب إلى سياسة الاحتراز من خسارة متوقعة، ومحاولة تأجيل تحولات ميدانية باتت تفرض نفسها على واقع المنطقة.

فالتاريخ السياسي والعسكري يثبت أن القوى الكبرى غالبًا ما تلجأ إلى استعراض القوة عندما تشعر بأن موازين الواقع بدأت تتغير، وأن أدوات السيطرة التقليدية لم تعد كافية للحفاظ على النفوذ.

حين يتحول الاحتراز إلى دليل خوف

ليست هذه الظاهرة جديدة في مسار الصراع بين الحق والباطل؛ إذ يقدم القرآن الكريم نموذجًا تاريخيًّا عميقَ الدلالة حين يروي قصة فرعونَ الذي لجأ إلى أقسى الإجراءات الأمنية لمنع زوال ملكه.

لقد بلغ فرعونُ من القلق حدًّا دفَعَه إلى إصدار أوامرَ بقتل كُـلّ مولودٍ ذكر من بني إسرائيل، بعد أن وصلته نبوءةٌ بأن سقوطَ ملكه سيكونُ على يد طفل منهم.

ومع ذلك، لم تمنع تلك الإجراءاتُ قدرَ الله، بل كانت سببًا في تحقّق ما خاف منه.

يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الأرض وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أبناءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾.

ورغمَ تلك السياسة الوحشية، نشأ النبيُّ موسى بن عمران في بيت فرعون نفسه، ليكون ذلك الحدث أحد أعظم الشواهد على أن الإفراط في الاحتراز لا يمنع السقوط إذَا كانت أسبابه قائمة.

بين منطق القوة وسنن التاريخ

إن المقارنةَ بين المشهدَينِ – القديم والمعاصر – لا تعني التطابُقَ، لكنها تبرز قاعدةً تاريخيةً ثابتة:

عندما تتحوَّلُ الإجراءاتُ الاحترازية إلى هاجِسٍ دائم، فإنَّها تعكسُ حالةَ قلق استراتيجي أكثرَ مما تعكسُ ثقةً بالقوة.

فالانتشارُ العسكري الواسع، مهما بلغ حجمُه، لا يستطيعُ أن يغيِّرَ حقائقَ الجغرافيا السياسية إذَا كانت التحوُّلاتُ الشعبيّة والميدانية تسيرُ في اتّجاه مختلِف.

كما أن التاريخَ يؤكّـدُ أن الإمبراطوريات لا تسقُطُ فجأة، بل تبدأُ علاماتِ التراجع عندما تتحوَّلُ القوةُ إلى وسيلةِ دفاع عن النفوذِ بدلًا من كونها أدَاةَ فرضٍ له.

هل يمنع الاحتراز ما كتبه الواقع؟

السؤالُ الذي يفرضُ نفسَه اليوم:

هل تستطيعُ حاملاتُ الطائرات والقواعدُ العسكرية أن تمنعَ تحولاتِ المنطقة، كما لم تمنعْ إجراءاتُ فرعون تحقّق ما كان يخشاه؟

إن الإجَابَة لا يحدّدها حجمَ السلاح، بل مسارُ الأحداث، ومدى قدرة القوى على قراءة المتغيرات بدلًا عن الاكتفاء بمحاولة تأجيلها.

فالتاريخ – كما يقدِّمه القرآن – ليس مُجَـرّد سردٍ للماضي، بل سننٌ تتكرّر، تؤكّـد أن الطغيانَ مهما امتلك من أدوات القوة، يبقى عاجزًا أمام التحولات الكبرى حين تنضج أسبابها.