أعادت ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر تعريف السيادة بعد أن كادت تصبح لفظاً منسياً في قاموس السياسة اليمنية، ما أرعب قوى الهيمنة والاستكبار في المنطقة.
فكانت عاصمة القرار اليمني صنعاء هي من تمتلك الإجابة عن سبب ذلك الخوف، وعرفته معها عواصم القرار التي كانت تظن أن اليمن تم هندسته ليعيش إلى الأبد حديقة خلفية للرياض وممراً آمناً للمصالح الأمريكية وملحقاً صامتاً في مشروع التطبيع الذي يُراد له أن يبتلع المنطقة من محيطها إلى خليجها.
فيما كانت واشنطن تريد ثورة على مقاسها؛ ثورة شكلية منزوعة الدسم، تنزع السلطة من أداة استُنفدت وتسلمها لأداة أخرى أكثر طاعة وأشد ولاءً؛ أداة تُجيد لغة المنظمات، وتتقن فن الارتهان، وتحفظ عن ظهر قلب تعليمات السفارة، تُسابق الزمن نحو التطبيع، ثورة لا تمس جوهر التبعية ولا تقترب من ملفات السيادة، تُبقي اليمن تحت خط الجوع وتحت وصاية البنك الدولي وشركات النهب، بينما تتقاسم قوى الاستكبار ثرواته من نفط وغاز ومعادن وموانئ وجزر، وتُلقي للوكلاء بالفتات ليحرسوا المصالح بنادق مستأجرة.
ولطالما اعتبرت الرياض اليمن إمارة تخضع لاحتلال غير مباشر، يُعد فيها السفير السعودي نائباً للسفير الأمريكي الحاكم الفعلي لليمن.
كما أدركت أن اتفاق السلم والشراكة لم يعد مجرد وثيقة لاحتواء الغضب الشعبي وتقاسم النفوذ بين أدواتها القديمة والجديدة، لا سيما بعد دخول "أنصار الله" كقوة قادمة من الشعب تمتلك منهجية قرآنية تحررية ترفض الولاء والخنوع لقوى الهيمنة والاستكبار، وترى في الأمريكي والصهيوني عدواً للأمة ينبغي الخلاص من هيمنته إذا ما أرادت الأمة امتلاك سيادتها وقرارها. وقد تآمرت مع العدو الأمريكي والصهيوني عليهم لاستئصال شأفتهم منذ البداية بتحريك أدواتها في الساحة فعجزت عن النيل منهم بفضل الله.
فلما تبين لها أن "أنصار الله" يمثلون الخيار الشعبي، وأن نبض الشارع قد تجاوز سقف الوصاية، وأن القرار لم يعد يُصاغ في غرف السفارات بل في ساحات الشعب الثائر، جن جنونها؛ لأنها أدركت أن يمناً حراً يعني نهاية عقود من الوصاية التي جعلت من اليمن ساحة لتفريغ الأزمات، وتصدير الوهابية وجرائم الإرهاب الداعشية، وتأمين الحدود بالمال والمرتزقة.
ولذلك لم تكن ثورة 21 سبتمبر 2014م لإسقاط حكومة، بل كان فعلها الثوري قد أسقط منظومة كاملة من التبعية للخارج، وهو الذي أرعب الكيان الصهيوني وأقض مضاجع واشنطن ولندن.
فأنصار الله حملوا هموم الشعب ومطالبه، وقضية الأمة المركزية، قضية الأقصى وفلسطين، وأعلنوها صرخة في وجه المستكبرين، وهذا ما لم يكن في حسبان مهندسي الفوضى الخلاقة الذين أرادوا ربيعاً عربياً يُطيح بالأنظمة الممانعة كالنظام السوري ويستبدلها بأنظمة أكثر انبطاحاً تلهث وراء التطبيع.
فإذا بثورة سبتمبر تعيد اليمن إلى موقعه الطبيعي في محور الحرية والجهاد والمقاومة، ترفض الهيمنة وتكسر حاجز الخوف، وتعلن أن البحر الأحمر بحرٌ عربي وليس بحيرة أمريكية، وأن باب المندب ممرٌ يمني وليس ممراً للبوارج الصهيونية، ومن هنا كان التحول من ثورة شعبية إلى هدف عسكري مباشر.
وما إن امتلك الشعب اليمني قراره وبدأ يطهّر مؤسساته من الفساد المرتبط بالخارج ويمد يده إلى ثروته المنهوبة، حتى تداعت قوى العدوان وأعلنت الحرب والعدوان تحت شماعة الدفاع عن شرعية أدواتها المزعومة، وهي في الحقيقة حرب عدوانية ظالمة للحفاظ على أطماعها الاستعمارية المهددة وعروش أدواتها التي تهاوت.
وأمام ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر، تتكشف طبيعة ارتباط الأدوات المحلية من الخونة والمرتزقة بالعدو الأمريكي والسعودي، التي هي وليدة بنية تراكمية منذ عقود؛ فمن تربى على فتات المساعدات المشروطة، ومن رُبطت أرصدته ومصالح عائلته بالخارج، ومن صيغ وعيه في مدارس التبعية، لا يملك إلا أن يكون أداة.
ولذلك كانوا أشد هلعاً من أسيادهم؛ لأن ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر نزعت عنهم ورقة التمثيل الشعبي، وكشفتهم كوكلاء لا يملكون مشروعاً وطنياً، بينما كان حمل "أنصار الله" ومعهم الشعب اليمني الثائر لقضية الأقصى هو القشة التي قصمت ظهر المشروع الأمريكي.
وأمريكا في حقيقتها يمكن أن تتعايش مع أي نظام فاسد أو مستبد ما دام مطبعاً وخاضعاً، لكنها لا يمكن أن تتعايش مع شعب يمتلك قراره، ويهتف بالموت لإسرائيل، ويحول شعاراته إلى مسيرات وصواريخ تحاصر السفن المتجهة إلى الكيان.
والشاهد أن العدوان السعودي الصهيو-أمريكي على اليمن ردة فعل إعلان حرب استباقية على ثورة 21 سبتمبر ويمن قادم حر مستقل يرفض أن يكون منقوص السيادة، يمن يقرر مصيره، ويحمي ثرواته، ويقف مع فلسطين بلا تردد.
وهذا هو الرعب الحقيقي الذي جعلهم يجندون كل مرتزقتهم، ويفتحون خزائنهم، ويستبيحون سماء اليمن؛ لأنهم أدركوا أن ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر هي إعلان بسقوط بيت الطاعة الأمريكي في الجزيرة العربية، وثورة شعبية يمنية بكل المقاييس.