حين اتخذ الرئيس الأمريكي قرارَه المتهور بفرضِ الحصار على الموانئ الإيرانية ومنع مرور السفن التجارية والملاحة عبر مضيق هرمز، ذهبت أغلب التحليلات السياسية والعسكرية نحو قشور الأزمة؛ فمنهم من رآها مناورة للضغط، ومنهم من اعتبرها استراتيجية ذكية لتركيع الخصم.

لكن القراءة العميقة تكشف أن هذا القرارَ يحمل في طياته بذورَ فناء القوة التي يستند إليها، وكأن التاريخ يعيد واقع الآية الكريمة في وصف صراع أهل الكتاب حين يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين.

إننا أمامَ مشهد يتجاوزُ الحسابات السياسية التقليدية إلى مرحلة التدمير الذاتي الذي يمارسُه "الأحمق" في البيت الأبيض ضد مصالح بلاده الحيوية.

إن النتائج الكارثية لهذا القرار ستبدأُ بالظهور كأحجار الدومينو، حَيثُ لن يمضي وقتٌ طويلٌ حتى تجتاحَ الفوضى والمظاهراتُ المدنَ الأمريكية.

المواطن الأمريكي الذي لا يعنيه صراع النفوذ بقدر ما يعنيه سعر "جالون" البنزين، سيجد نفسه أمام أزمة اقتصادية طاحنة نتيجة الارتفاع الجنوني في أسعار النفط.

هذا الارتفاع لن يضربَ الداخلَ الأمريكي فحسب، بل سيزلزلُ الاقتصادَ العالمي ويضعُ اقتصاداتِ الخليج في مهب ريح عدم الاستقرار؛ مما يخلق ضغطًا دوليًّا هائلًا وغير مسبوق على الإدارة الأمريكية التي وجدت نفسها محاصَرة بتبعات قرارات رئيسها المندفع.

تتجلى بوادرُ الانكسار في اعتراف نائب الرئيس بالأزمة، وتحَرّك القنوات الدبلوماسية عبر وسطاءَ مثل باكستان للدعوة إلى الحوار، وهو ليس إلا تنسيقًا أمريكيًّا خَفيًّا للبحث عن مخرَجٍ آمنٍ من المأزِق الذي صنعته يد ترامب.

فالمؤسّسةُ الأمريكية تدركُ الآن أن المِلفاتِ الضاغطة أصبحت تفوقُ قدرتَها على الاحتمال؛ فمن جهة هناك شبحُ الفشل في الانتخابات القادمة نتيجةَ التدهور الاقتصادي، ومن جهة أُخرى يبرز المِلفُّ العسكري المثقل بالتكاليف الباهظة وحالة الإنهاك التي يعاني منها الجيش.

القواعدُ العسكرية في المنطقة لم تعد تلك الحصون المنيعة، لقد باتت أهدافًا شبهَ مكشوفة بعد تدمير أجهزة الرصد وانتهاء مخزون الدفاعات الجوية؛ مما يجعلُ أيةَ مغامرة عسكرية انتحارًا معلَنًا.

في هذا السياق، تبدو الرسالةُ الموجَّهةُ إلى الجانب الإيراني واضحة المعالم؛ فاللحظةُ الراهنة لا تتطلب التفاوض إنما تتطلَّبُ الثباتَ؛ إذ إن "لا تفاوض" هي الوسيلة الأنجع لتركيع الخصم الذي يترنح تحت ضربات أخطائه.

على إيران أن تتمسَّكَ بموقفها وبشروطها العشرة كاملةً؛ فالمعطياتُ على الأرض تشيرُ إلى أن الجانبَ الأمريكيَّ سيأتي صَاغرًا إلى الطاولة في نهاية المطاف.

إن الصمودَ والثباتَ على الشروط هو الذي سيجبر المعتوهَ في واشنطن على القبول بالأمر الواقع، بعد أن يدركَ أن القوةَ العسكرية التي يلوِّحُ بها هي مُجَـرّد نمر من ورق أمام الإرادَة الصلبة والواقع الاقتصادي المنهار.

إنها معركة نفَسٍ ونفَسٍ طويل وأخيرًا إيران هي مَن لها السيادة على مضيق هرمز ومن يملك حق الدفاع والرد المشروع هو من سيفرض كلمته في نهاية المطاف.