هناك شخصيات يصنعها التاريخ، وهناك شخصيات تصنع التاريخ.
وهناك رجال تذكرهم الأمم إعجابًا ببطولاتهم، أَو إعجابًا بعبقريتهم، أَو إعجابًا بما حقّقوه من إنجازات، ثم يطويهم الزمن في صفحات الماضي.
أما علي بن أبي طالب عليه السلام فليس واحدًا من هؤلاء.
عليٌّ قضية ممتدة، ونور متصل، ومدرسة لا تنتهي، وعَلَمٌ نصبه اللهُ للأُمَّـة لتبصرَ به طريقَها كلما ادلهمت الفتن، واختلطت المفاهيم، وتكاثفت غيوم الضلال.
ولذلك لم يكن الحديثُ عنه في القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف حديثًا عن رجل صالح فحسب، ولا عن صحابي جليل فحسب، ولا عن بطلٍ من أبطال الإسلام فحسب، فقد كان حديثًا عن النموذج الذي بلغ القمة في الإيمان، والذروة في اليقين، والغاية في الإخلاص، حتى أصبح الامتداد الأصيل لرسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله.
لماذا علي؟
لأن الأُمَّــة بعد رسول الله لم تكن بحاجة إلى قائد سياسي فقط.
كانت بحاجة إلى من يحفظ الدين من التحريف.
ويصون المفاهيم من التزييف.
ويحمل القرآن كما أنزل.
ويهدي الناس كما أراد الله.
ويجسد الإسلام كما عاشه رسول الله.
ولهذا جاءت النصوص النبوية تبني في وجدان الأُمَّــة صورة علي عليه السلام قبل أن يأتي يوم الغدير.
فقال النبي: «علي مع القرآن والقرآن مع علي».
وقال: «علي مع الحق والحق مع علي».
وقال: «أنا مدينة العلم وعلي بابها».
وقال: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي».
إنها ليست كلمات مدح عابرة.
هي شهادات تحدّد للأُمَّـة موقع علي ودوره ومكانته.
فالذي لا يفارق القرآن لا يضل.
والذي لا يفارق الحق لا ينحرف.
والذي هو باب علم الرسول لا يجهل.
والذي له من النبي منزلة هارون من موسى لا يمكن أن يكون شخصية عادية في تاريخ الإسلام.
علي.. كما يريده الله لا كما يقدمه الناس
إن أعظم ما يميز الإمام علي أنه لم يُقدَّم للأُمَّـة بالمال.
ولا بالنسب.
ولا بالقوة.
ولا بالسلطان.
بل قُدِّم بالإيمان.
قُدِّم بالصدق.
قُدِّم بالإخلاص.
قُدِّم بالعلم.
قُدِّم بالتقوى.
قُدِّم بالرحمة.
ولهذا عندما تحدث القرآن عنه ربطه بأعظم القيم.
في ليلة الهجرة باع نفسه لله، فنزل فيه قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾.
وفي موقف الإيثار الخالد نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾.
وفي آية الولاية خلد الله موقف عطائه وهو راكع بين يديه: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾.
هكذا كان علي.
كلما اقترب من الله اقترب من الناس.
وكلما ارتفع في العبادة ازداد تواضعًا ورحمة وعطاءً.
ماذا تعني ولاية علي؟
ولاية علي ليست مُجَـرّد محبة عاطفية.
وإن كانت محبته من أعظم القربات.
وليست مُجَـرّد انتماء تاريخي.
وإن كان شرف الانتماء إليه عظيمًا.
هي قبل ذلك وبعده ارتباط بمنهج.
والتزام بقيم.
واقتدَاء بنموذج.
وسير في طريق.
عندما تتولى عليًّا فأنت تتولى العلم في مواجهة الجهل.
والعدل في مواجهة الظلم.
والإخلاص في مواجهة النفاق.
والشجاعة في مواجهة الخوف.
والبصيرة في مواجهة التضليل.
ولهذا كانت ولاية علي حصنًا للأُمَّـة من الضياع.
لأنها تربط الأُمَّــة بالرجل الذي لم يعرف الباطل طريقًا إلى قلبه.
ولم يعرف الهوى سبيلًا إلى قراره.
ولم يعرف التردّد طريقًا إلى مواقفه.
علي.. باب النجاة في زمن الفتن
كلما ابتعدت الأُمَّــة عن قيم علي دفعت الثمن.
وكلما اقتربت من نهجه اقتربت من عزتها.
ففي زمن المصالح نتذكّر إخلاصَه.
وفي زمن الظلم نتذكر عدله.
وفي زمن الانقسام نتذكر حكمته.
وفي زمن الجهل نتذكر علمه.
وفي زمن الهزيمة نتذكر شجاعته.
إن العالم اليوم لا يحتاج إلى معرفة اسم علي فقط.
يحتاج إلى معرفة مشروع علي.
ذلك المشروع الذي يجعل الإنسان حُرًّا من عبودية الطغاة.
عزيزًا بإيمانه.
واعيًا ببصيرته.
ثابتًا على الحق مهما كانت التضحيات.
الغدير.. يوم أكمل الله فيه الحجّـة
لم يكن يوم الغدير إلا يومًا أراد الله أن يحفظ به مستقبل الأُمَّــة.
وقف النبي صلى الله عليه وآله في حَر الهجير، وأوقف عشرات الآلاف من المسلمين، ثم رفع يد علي أمام الجموع وقال:
«من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه».
لم يكن ذلك إلا إعلان ولاية.
وإقامة حجّـة.
وتحديد طريق.
ورسم معالم الامتداد الأصيل للرسالة بعد رحيل صاحبها.
إذا أردت أن تعرف لماذا يتجدد ذكر علي عبر القرون، فانظر إلى سيرته.
إذا أردت أن تعرف لماذا تهفو إليه القلوب، فانظر إلى عدله.
إذا أردت أن تعرف لماذا أحبه المؤمنون، فانظر إلى إخلاصه.
إذا أردت أن تعرف لماذا بقي حيًّا في ضمير الأُمَّــة، فانظر إلى قربه من القرآن.
لقد رحل ملوك كثيرون، وانطفأت أسماء كثيرة، واندثرت رايات كثيرة.
أما علي فبقي.
بقي لأن الله رفع ذكره.
وبقي لأن الرسول قدمه للأُمَّـة.
وبقي لأن الحق الذي عاش له لا يموت.
وبقي لأن الإنسانيةَ كلما بحثت عن نموذجٍ للكمال بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وجدت نفسها أمام رجل اسمه علي بن أبي طالب.
ذلك الإمام الذي كان طريقًا إلى الله، ولم يكن مُجَـرّد صفحة في التاريخ.