قوات العدو الإسرائيلي تتوغّل في لبنان وسوريا وغزة، تمارس الاغتيالات، القصف، تفجير القرى، حرق المزارع، اقتحام المنازل، الاعتقالات، نقاط التفتيش، الحصار، التجسس... وجرائم لا تعدّ ولا تحصى، وفي مشهد موازٍ مذهل:
· الحكومة اللبنانية تتجاهل كل هذا، وتركز على رصد تحركات حزب الله لمنع أي نشاط ضد الصهاينة.
· الحكومة السورية تتجاهل الصهاينة وتهتم بمحاصرة حزب الله وملاحقة الشيعة.
· الحكومة الفلسطينية تلاحق المقاومين في الضفة لتسليمهم للكيان.
· الحكومة المصرية تشدّد الحصار على غزة لمنع الغذاء والدواء والسلاح.
· ملوك الخليج يلهون شعوبهم بالترفيه عن التفكير في الواقع المخزي.
قد يقول قائل: أمريكا هي من توجّه الحكومات، ولا تسمح لها بالتحرك وهذا صحيح.
لكن السؤال الأعمق: كيف وصلت الهيمنة الأمريكية إلى هذا الحد؟ ولماذا أصبحت الحكومات مسلوبة الإرادة إلى هذه الدرجة؟
الجذر الحقيقي ليس الحكومات وحدها بل الشعوب. نعم، الحكومات فاسدة وعميلة، لكنها لم تصل إلى هذا الانحراف لو كانت الشعوب واعية، تدرك خطورة التجاهل، تستشعر مسؤوليتها الدينية والإنسانية.
الشعوب الخائفة، النائمة، التائهة، اللامبالية هي من سمحت لهذه الحكومات بفتح المجال أمام أعداء الأمة ليعبثوا بمقدراتها.
لو أدركت الشعوب أن مشاريع الأعداء تعتمد سياسة تدرجية مرحلية، وأن ما يحدث في فلسطين اليوم سيصل إليها غدًا، لما بقيت صامتة مكتوفة الأيدي.
ولكنها جهلت حقيقة أن الخضوع ليس عبادة، وأن الاستسلام ليس عملاً صالحًا، وأن موالاة اليهود ليست سنة، وأن القبول بالظلم ليس فريضة، وأن الصمت على القهر ليس حكمة، وأن القبول بالمحتل ليس تقوى.
هذا الفهم المنحرف صُنع عبر عقود من التضليل المنظم، بجهود مشتركة من حكام السوء، وعلماء السلطة، والمستشرقين، والإعلام المأجور، حتى أصبحت الشعوب تعيش في حالة من السبات المهين المذل.
آثار التخاذل: في الدنيا والآخرة
في الدنيا، التخاذل هو السبب المباشر لكل جريمة، كل انحراف، كل مأساة تحدث في فلسطين، لبنان، سوريا، العراق، اليمن، أفغانستان، السودان.
فالشعوب التي كان من المفترض أن تكون خير أمة أخرجت للناس، أصبحت أذل وأضعف أمة، لأنها تركت لعدوها مهمة حمايتها وإدارة شؤونها.
أما في الآخرة، فإن هذا الظلم الجماعي الذي تتعرّض له الشعوب المستضعفة هو ذاته الذي سيملأ جهنم من الناس؛ أي من الشعوب المتخاذلة التي تجاهلت التوجيهات القرآنية الواضحة، وتركت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فكانت سببًا في دماء تُهراق، وكرامات تُهان، وأرض تُسلَب.
جهنم تستوعب الحكومات والشعوب معًا:
ليست الحكومات وحدها من تستحق الدرك الأسفل من النار. فالشعوب لو قامت بواجبها الديني والإنساني، لما تجرأت الحكومات على التخاذل والتواطؤ.
بل إن آثار التخاذل في هذه المرحلة هي أسوأ من أثر أي معصية أو جريمة نعتبرها من الكبائر، لأنها جرّمت أمة بأكملها، وسبّبت مقتل مئات الآلاف، وسلبت حقوق شعوب بأكملها.
لولا تخاذل الشعوب لما كان هناك شيء اسمه "إسرائيل"، ولولا تخاذلها لما قُتل المسلمون في كل بقعة من بقاع الأرض.
الخلاصة: آن الأوان لإعادة النظر:
آن الأوان أن نعيد تصنيف الذنوب ليس بحجم الأثر المباشر، بل بحجم الأثر البعيد. فالصمت على الظلم اليوم هو أكبر من الظلم نفسه، لأن الصمت يشرّع الظلم للآخرين ويُطيل عمره.
قال تعالى: (وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ) سورة يس - آية (12).
الآثار التي نتركها اليوم من تخاذل وصمت، ستُكتب علينا، وستكون سببًا في عذابنا في الدنيا قبل الآخرة.
فهل آن الأوان أن نصحو؟ أم أننا ننتظر دورنا في قائمة الانتظار الطويلة لجهنم؟