مع اقتراب الثاني عشر من ربيع الأول، تخلع المدن اليمنية، وفي مقدمتها العاصمة صنعاء، ثوب المعاناة وتتأهب بقلوب أبنائها وديارها وزينتها الخضراء لاستقبال المولد النبوي الشريف، في تظاهرة إيمانية تجسد أرقى قيم الوفاء لرسول الإنسانية.
هذا التأهب الروحي والبهجة التي تكسو الجدران والشوارع قبل حلول المناسبة، هما امتداد لسر ذلك الارتباط الوثيق والعميق برسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- منذ مهد الرسالة، حيث يجدّد اليمانيون اليوم أدوار أجدادهم من الأوس والخزرج في نصرة الحق والمضي على طريق العزة والكرامة.
ومن رحم هذا التولي الصادق والارتباط بالمصطفى، تحولت معركة الصمود في وجه العدو السعودي إلى معجزةٍ حقيقية قلبت موازين القوى رأسًا على عقب؛ فالبلد الذي أراد له الأعداء الانهيار التام والتركيع عبر الحصار الشامل، بات اليوم يملك من القوة العسكرية ما يكفي لانتزاع حقوقه وتثبيت معادلاته في الإقليم، بعد أن بات رقمًا صعبًا لا يمكن تجاوزه.
ويُعـدُّ بناء مؤسسة عسكرية وأمنية على أرقى مستويات الكفاءة والاحترافية خلال سنوات الحرب العجاف، ثمرة من ثمار الهُويّة الإيمانيّة والاعتماد على الذات والتضحيات الجسمية، حيث تحوّل اليمن من الدفاع إلى الهجوم، بامتلاك ترسانة بالستية وبحرية قادرة على انتزاع حقوق الشعب اليمني وحماية ثرواته.
ودائمًا ما يمثل المولد النبوي الشريف محطة فارقة تشهد منحى تصاعديًّا في الكشف عن مفاجآت عسكرية جديدة تذهل الأعداء وتثلج صدور الأصدقاء، وتؤكد أن زمن الإملاءات قد ولى.
ورغم هذا التدفق في عناصر القوة؛ فقد منحت صنعاء العدو السعودي فرصًا متتالية لمراجعة الحسابات وجبر الضرر والالتزام بشروط السلام العادل، إلا أن الارتهان الأعمى للإملاءات الخارجية والسياسة العدائية لملوكها تجاه القوى الحرة في الأمة.. يأخذان بيد المملكة نحو مسارٍ ماحق ينذر بسقوطها.
وعلى الرغم من كل هذا، ورغم الحصار الخانق والمعاناة الكبيرة ازاء ذلك، تظل صنعاء وهي تكتسي باللون الأخضر حاملةً لواء الإسلام يوم أن تنكر له الأعراب، وحمله الأنصار جهادًا في سبيل الله تحت راية سيد الأحرار والمجاهدين، أبو جبريل المفدى، والعاقبة للمتقين.