حين تصبح الرياض مضطرة للذهاب عنوة الى كيان العدو الصهيوني المؤقت، ليساعدها في حماية أطماعها ومخططاتها التأمرية في البحر الأحمر، فهذا مؤشر على عمق المأزق الذي وصل إليه العدو السعودي في مواجهة صنعاء، وأنها أمام معادلة استراتيجية فرضتها اليمن على المنطقة، مفادها " من يريد تأمين الملاحة عليه أولًا أن يحسب حساب قوة المعادلات اليمنية، التي باتت قادرة على حماية سيادتها والانتصار لإرادة شعبها، وتوظيف موقعها الجيوسياسي في مواجهة الأعداء.
ويراهن بن سلمان على أن كيان العدو الصهيوني بما يمتلكه من قدرات عسكرية واستخباراتية، وبما يحظى به من دعم أمريكي، يستطيع تغيير قواعد الاشتباك وإجبار صنعاء على التراجع.
لكن هذا الرهان سيصطدم بحقيقة أثبتتها سنوات الحرب: القوة العسكرية المتفوقة تقنيًا لا تعني بالضرورة القدرة على فرض الإرادة السياسية، خصوصًا عندما تكون المواجهة مع طرف يمتلك قرارًا مستقلًا، ويقاتل على أرضه، ويؤمن أن البحر الأحمر وباب المندب جزء من معادلة الردع التي بناها خلال سنوات المواجهة والصراع مع تحالف العدوان.
وإذا كانت الرياض قد احتاجت في عدوانها على اليمن إلى التحالفات العسكرية الواسعة، ثم إلى الحصار والوساطات السياسية، ثم إلى الضغط الأمريكي، فإن انتقالها إلى البحث عن دعم من العدو الإسرائيلي يكشف أن المشكلة بالنسبة لها لم تعد في امتلاك السلاح، وإنما في القدرة على كسر الإرادة اليمنية.
وبالتالي فإن دخول العدو الإسرائيلي المباشر أو غير المباشر على خط باب المندب لن يكون نزهة عسكرية، فالموقع الجغرافي لليمن يمنح صنعاء أوراقًا استراتيجية لا يستطيع العدو الإسرائيلي إلغاءها بمجرد الضربات الجوية التي سبق وجربها، وفشل عن حماية نفسه في عمق الأراضي الفلسطينية المحتلة، وحماية ملاحته البحرية، كما سيفشل في تقديم الدعم الاستخباراتي للعدو السعودي.
فتوسيع المواجهة يعني فتح جبهة جديدة بعيدة جغرافيًا، لكنها قادرة على التأثير في مصالح العدو الإسرائيلي واطماعه، وحركة الملاحة المرتبطة به، وهو ما يجعل أي مغامرة محفوفة بتكاليف أكبر من حسابات العدو السعودي نفسه.
خاصةً وأن صنعاء تربط ملاحة الرياض بأمن اليمن، وإفهام الاعداء بأن محاولة فرض الحصار أو التصعيد أو التحشيد لن يمر بلا ثمن، ولذلك فإن محاولة انتزاع ورقة باب المندب بالقوة قد تؤدي إلى النتيجة العكسية: فبدل من أن تستعيد الرياض حرية الملاحة، تجد نفسها أمام معادلة أكثر تعقيدًا، ويصبح فيها البحر الأحمر ساحة ضغط إضافية عليها، وعلى كيان العدو الإسرائيلي، ومن يفكر في الوقوف معها.
ثم إن الاستنجاد بعدو الأمة الصهيوني يحمل بحد ذاته تكلفة سياسية على العدو السعودي، حيث يحاول تقديم نفسه باعتباره دولة عربية وإسلامية مركزية، سيجد نفسه في موقف شديد الحساسية إذا أصبح العدو الإسرائيلي شريكًا في مواجهة صنعاء التي تقف ثابته في نصرة فلسطين وقضايا الأمة، وسيكون من الصعب تسويق هذا التعاون أمام الرأي العام العربي والإسلامي باعتباره مجرد ترتيبات أمنية لحماية امن الملاحة، وهو تطبيع علني.
ولهذا قد تكون المفارقة أن الطريق الذي تبحث الرياض من خلاله فتح باب المندب سيقودها إلى مزيد من عدم الاستقرار فيه، وكلما اتسعت دائرة التدخل الخارجي، اتسعت معها دوافع صنعاء للرد، وكلما تحولت المسألة إلى مواجهة يمنية إسرائيلية أو يمنية ــ سعودية ــ إسرائيلية، أصبحت الملاحة نفسها جزءًا من الصراع بدل أن تكون بمنأى عنه.
وهنا نقول أذا كان ابن سلمان يبحث عن مفتاح لباب المندب، في جيب المجرم نتنياهو ، فهو يبحث عن وهم وحلم وسراب، ومن المؤكد أن المفتاح في إنهاء العدوان ورفع الحصار، وتنفيذ مطالب الشعب اليمن، والاعتراف بأن صنعاء أصبحت طرفًا لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات تخص اليمن والبحر الأحمر، أما محاولة كسر معادلة صنعاء بالقوة، فستجعل باب المندب، مدخل للعدوين السعودي والإسرائيلي إلى مواجهة أوسع، بحرًا وبرًا وجوًا وهيهات منا الذلة.