كانت ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر أهم تحول يمني، أعادت تعريف السيادة والاستقلال، في وقت مفاجئ كانت القوى الخارجية هي من تديره وتتحكم فيه وتنهب ثرواته عبر صفقات التعيينات والفساد الممنهج، والفوضى الشاملة في شتى المجالات الأمنية وغيرها.

فحينها وجدت الثورة نفسها أمام حفنة من الأدوات الأجيرة المرتبطة بالخارج، دون أي معيار يؤكد ولاءها لهذا الشعب، وأن اليمن بالفعل حديقة خلفية للخارج، وساحة خصبة للمخابرات الأجنبية، وسفارات الدول العشر المتقاسمة لمقدرات وثروات الشعب اليمني.

وأمام ما لمسته قيادة الثورة من مختلف القوى والمكونات السياسية التي أظهرت مكرها وخداعها وتبعيتها للخارج أثناء الحوار معها، أعلنت أن اليمن لا يمكن أن يعود حديقة خلفية لأحد، ورفضت رهن إرادته للخارج تحت مسميات مثل "المبادرات" و"التسويات"، وهو ما قاد لتدبير العدوان ومباشرته في 26مارس 2015م، من داخل البيت الأبيض.

ومن أبرز إنجازات ثورة 21 سبتمبر الفتية أنها وضعت الأمن في صدارة مشروعها الوطني، فحولته من شعار سياسي، إلى واقع ملموس يحفظ حياة الناس واستقرارهم وكرامتهم، فبدأت بوضع مسار مختلف في التعامل مع التحديات الأمنية، يقوم على تفكيك بؤر الفوضى، وملاحقة الشبكات الإجرامية، وضرب خلايا التجسس والتخريب، ومواجهة المشاريع التكفيرية التي كانت تتحرك برعاية خارجية واضحة.

وبفضل الله، ثم بفضل القيادة الثورية والسياسية الحكيمة، وصمود الشعب اليمني العظيم، وتضحيات المجاهدين من أبناء القوات المسلحة والأمنية، تحولت صنعاء والمحافظات الحرة إلى نموذج واضح للاستقرار الأمني مقارنة بما كان يُراد لها من انفجار وفوضى، ففشلت المؤامرات التي استهدفت الجبهة الداخلية، وسقطت محاولات الاختراق، وتحطمت رهانات العدوان على تفجير الوضع من الداخل بعد أن عجز عن كسره من الخارج.

وفي هذا المشوار واجهت الأجهزة الأمنية، تحديات متنوعة، منها خلايا مرتبطة بالعدوان، وشبكات تجسس، ومحاولات اغتيال وتخريب، وحروب نفسية وإعلامية، ومخططات لإثارة الفتن المناطقية والمذهبية والقبلية، فتعاطت معه بعزم وتبتت حضور الدولة، وحافظت على السكينة العامة، وجعلت الأمن في خدمة المواطن لا في خدمة النفوذ والابتزاز.

من يتجول اليوم في صنعاء يدرك حجم الفرق بين مشروع الدولة ومشروع الفوضى، فالعاصمة التي حاول العدوان إخضاعها بالقصف والحصار والحرب الاقتصادية، بقيت متماسكة وآمنة، تتحرك فيها الحياة رغم كل المعاناة، أسواقها تعمل، ومؤسساتها قائمة، والناس يمارسون حياتهم، والسلطات الأمنية حاضرة في حماية المجتمع وملاحقة الجريمة وضبط الاختلالات.

فهذا كان ثمرة يقظة أمنية عالية، وتضحيات مستمرة، وإرادة سياسية واضحة في بناء مؤسسات تحفظ الأمن وتمنع الانفلات، وجففت أسباب ومنافذ الاختلالات من داخل الأجهزة الأمنية نفسها التي كانت بيد السفارات، وصولاً إلى الخلايا الأجنبية والمحلية خارجها، فضمنت حماية الجبهة الداخلية.

 وهذا النجاح واحد من أهم انتصارات ثورة 21 سبتمبر، لأنه أثبت أن الدولة حين تمتلك قرارها تستطيع أن تحمي شعبها، وأن الأمن حين يتحرر من الوصاية الخارجية يتحول إلى درع للمجتمع لا سوطاً عليه.

وفي هذا المقام نؤكد أنه ما كان لهذه الإنجازات أن تتحقق لولا تضحيات رجال القوات المسلحة والأمنية، الشرفاء الذين خاضوا معركة الدفاع عن الوطن في الجبهات، ومعركة حماية الداخل في المدن والقرى، ومعركة إفشال المخططات التخريبية التي استهدفت أمن الناس وحياتهم.

وقدّم الأبطال والمجاهدون أرواحهم ودماءهم لحماية اليمن ومنع تحول صنعاء إلى مدينة تعصف بها الفوضى، كما كانت، وواجه هؤلاء الرجال مشروعاً عدوانياً يسعى لتمزيق اليمن وتحويله إلى كانتونات متصارعة، وبفضل تضحياتهم، سقطت رهانات كبيرة، منها إسقاط صنعاء من الداخل، وتحريك الخلايا النائمة، والفتن الطائفية والمناطقية، والحرب النفسية التي استهدفت ثقة الشعب بقيادته ومؤسساته.

  وفي المقابل، تظهر المحافظات الجنوبية والشرقية تحت الاحتلال والوصاية الخارجية حجم الكارثة الناتجة عن غياب الدولة ووجود المليشيات، في عدن ولحج وأبين وشبوة وحضرموت والمهرة، التي تتكرر فيها الجرائم والاشتباكات والاغتيالات بشكل يومي، مما يعكس فشل العدو السعودي وأدواته في تحقيق الاستقرار، أمام تعددت وتنوع المليشيات، وتصارعت الولاءات، مما حول المدن إلى ساحات نفوذ متناحرة، وأصبح المواطن ضحية للانفلات الأمني.

وتفتقر هذه المناطق إلى الأمن المستقر، والخدمات، والقضاء الفاعل، والمؤسسات الحقيقية، والقرار الوطني المستقل، والأخطر من ذلك أن الفشل الأمني في المحافظات المحتلة ترافق مع انهيار شامل في الخدمات والمعيشة، الكهرباء غائبة، الوقود أداة ابتزاز، الغاز أزمة يومية، الرواتب متوقفة أو منهارة، الأسعار مشتعلة، والجريمة تتسع.

 وهذا يثبت أن الاحتلال لا يبني دولة، وأن الوصاية لا تصنع استقراراً، وأن من يسلّم قراره للخارج يسلّم معه أمنه وكرامته وثروته.

فالمقارنة بين صنعاء وعدن اليوم هي مقارنة بين مشروعين كاملين. في صنعاء، رغم الحصار والعدوان، هناك قرار وطني، ومؤسسات أمنية متماسكة، وجبهة داخلية صامدة، وقيادة تتحمل المسؤولية، أما في عدن، رغم الدعم الخارجي المزعوم، هناك فوضى واغتيالات وصراع فصائل وانهيار خدمات وقرار مرتهن.

ورغم أت صنعاء حوصرت لكنها لم تسقط، وقصفت لكنها لم تنهر، وجوعت لكنها لم تفقد بوصلتها، أما المحافظات الواقعة تحت سيطرة قوى الاحتلال، فقد فتحت لها الموانئ والمطارات والمعسكرات والدعم الخارجي، ومع ذلك غرقت في الفوضى والفساد والتجويع والانهيار.

وهنا تتضح حقيقة ثورة 21 سبتمبر، أنها تغيير سياسي ومشروع استعادة دولة، وقرار، وكرامة، أما المشروع المقابل، فهو مشروع تبعية وفوضى ونهب وتفكيك.

وأثبتت الاثنى عشر عام من عمر الثورة أن ثورة 21 سبتمبر كانت ضرورة تاريخية، فلو لم تقم هذه الثورة، لبقي اليمن تحت الوصاية، ولبقيت السفارات تتحكم بقراره، ولبقيت الجماعات التكفيرية تعبث بأمنه، ولبقيت ثرواته تُنهب وشعبه يُدار بسياسات الإفقار والإذلال.

لكن الثورة كسرت هذه المعادلة، وأعادت الاعتبار للهوية الإيمانية والوطنية، ومنحت الشعب اليمني ثقة بقدرته على المواجهة، وبنت جيشاً وأمناً قادرين على حماية السيادة، وفتحت الباب أمام بناء دولة حرة لا تخضع للابتزاز ولا تساوم على كرامتها.