​عقب الإعلان عن استهداف منشأة شركة النفط اليمنية، يتكشف للمراقب السياسي حالة من التخبط الاستراتيجي وغياب الحصافة في اتخاذ القرار لدى القيادة السعودية؛ حالة أضاعت بوصلة الرشد، وظلت الطريق، وفقدت الحكمة، وأدخلت المملكة في نفق مظلم من الحسابات غير المحسوبة عواقبها والتي لا يُعلم مداها ولا نهايتها إلا الله سبحانه.

​إن هذا المنعطف الخطير والوضع المأزوم الذي آلت إليه إدارة المشهد السعودي يعود في جوهره إلى تراكمات من الأخطاء الكارثية والممارسات الخاطئة التي أُرتكبتها السعودية في اليمن وفي المحيط العربي، يُرافقها حالة من المكابرة والنرجس السياسية والغرور، والغياب التام للمراجعة الذاتية، والاعتراف بالحق، والمصالح مع الذات، والعودة إلى جادة الصواب.

​وعند تحليل خلفيات هذا القرار الناشز، يمكن إرجاع هذا العجز التقديري إلى ثلاثة عوامل رئيسية:

​أولاً: ارتهان القرار ومصادرته: صيرورة القرار السعودي رهينة لإملاءات الحلفاء الدوليين -وفي مقدمتهم الولايات المتحدة- ممن ينطلقون من أجندات وحسابات خاصة لا تخدم المنطقة لا سيما المملكة. بل تسعى لجرها إلى مربعات الخسارة والنزاع المستدام لخدمة مصالحهم الاستراتيجية.

​ثانياً: التضليل الاستشاري وخطأ التقدير:

الاعتماد على مشورات وآراء قاصرة، إما صادرة عن أطراف تكنّ العداء للمملكة، أو عن مستشارين يفتقرون إلى الحد الأدنى من الفهم العميق للواقع والقراءة الصحيحة للميدان وموازين القوى.

​ثالثاً: الانسداد الفكري وفقدان التوفيق:

العجز الصريح عن اتخاذ قرارات متوازنة، وتراكم الغشاوة على رؤية صانع القرار وإستلاب التوفيق والهداية، مما يحجبه عن إدراك العواقب والاستفادة من تجارب الماضي. (ولعل هذه العوامل الثلاثة تتداخل مجتمعة لترسم ملامح هذا المشهد).

​معادلة الردع والمنطق العسكري والاقتصادي

​وللتدليل العملي على هذا العجز الاستراتيجي، يكفي أن نتوقف عند واقعة استهداف منشأة شركة النفط اليمنية. إن السؤال الفكري والسياسي الذي يفرض نفسه هنا: ما هي القيمة العسكرية أو السياسية أو حتى الاقتصادية والمعنوية التي يحققها استهداف مثل هذا الموقع في الوقت الراهن؟ ​في المقابل، فإن نظائر هذه المنشآت داخل العمق السعودي تُعدّ شرياناً حيوياً واستراتيجياً ذو قيمة اقتصادية وسياسية وسيادية هائلة. وهي منشآت تدخل بطبيعة الحال ضمن بنك الأهداف المشروعة والمستهدفة لصنعاء، كما أعلنت وتعلن قيادتها العسكرية.

​إن الرهان على أن استهداف موقع "رأس عيسى" أو المنشآت المماثلة سيؤدي إلى ردع صنعاء أو ثنيها عن موقفها، هو رهان أثبتت الوقائع فشله. فلن تثني هذه الضربات صنعاء عن المضي قدماً في فرض معادلاتها، وانتزاع استحقاقات السلام المشرف دون انتقاص.

​إن الميزان الاستراتيجي يوضح جلياً الخلل في هذا القرار:

​بالنسبة لصنعاء: لا تشكل هذه المنشآت ورقة ضغط يائسة يمكن الابتزاز بها. كون ذلك مجرب من 12 عام. علاوة على ان جلها قد أخرجها العدو السعودي والاسرائيلي بأستهدافهم المتكرر عن الخدمة وبالتالي لم تعد ورقه ضغط لصالح العدو ضد صنعاء.

​بالنسبة للرياض: تمثل منشآت "أرامكو" والنواة الاقتصادية للمملكة العصب المالي، والرمزية السياسية، والعنوان الأبرز للرفاه الاقتصادي والحضور الدولي، مما يجعلها ورقة ضعف شديدة الحساسية أمام أي رد متكافئ.

​الخلاصة:

أن يُقدم من يمتلك عملاقاً اقتصادياً مثل "أرامكو" على فتح باب استهداف المنشآت النفطية مع طرف لا يملك ما يخسره في هذا القطاع، هو مجافاة صريحة للعقل والمنطق الاستراتيجي؛ إذ كان حرياً بمن يملك الاقتصاد الأكبر أن يكون الأحرص على نأي القطاعات الحيوية والنفطية عن أتون الصراع، بدلاً من المبادرة بكسر قواعد الاشتباك التي ارتدت وتستمر بالارتداد عليه خسراناً وتراجعاً.