في كل عام، حين يطلّ أكتُوبر على اليمن، لا يكتفي بأيام التقويم؛ بل يحمل معه نسيماً ينبعث من جبال ردفان، معطّراً برائحة البارود والأرض التي ارتوت بدم الأحرار.

في مثل هذا اليوم من عام 1963، انطلقت الشرارة الأولى ضد إمبراطوريةٍ كانت تدّعي أن الشمس لا تغيب عن أملاكها. لم يكن الثوار يومئذ يملكون أساطيل ولا عتاداً ضخماً، بل امتلكوا حافزاً واحداً أضاء ظلمات الليل: أن الأرض لا تتسع لغاصب، وأن الكرامة لا تُجزّأ.

عبر سنوات الكفاح، أُرغِمت المندوبية السامية البريطانية على الحزم والرحيل، وطُوِيَت صفحة الاستعمار القديم الذي طالما اقتات على تقسيم الجنوب إلى سلطنات ومشيخات متناحرة، وسعى لحرمان الناس من ثرواتهم وموانئهم الحيوية تحت قاعدة "فرّق تسد". رحل المستعمر، وظنّ اليمنيّون أن الفجر القديم اكتمل، وأن وصاية الغريب قد انتهت إلى غير رجعة.

غير أن عقارب الساعة تشير اليوم إلى مشهدٍ يعيد إنتاج نفسه بالملامح ذاتها، وإن اختلفت الأسماء والعباءات. يتأمل المواطن في عدن أو سقطرى أو المهرة ذاكرة أكتوبر، فيرى المأساة تتكرر بفصولٍ أكثر إيلاماً تحت نير الاحتلال السعودي الإماراتي الجديد. لم تعد البارجة البريطانية هي التي ترسو عند شواطئ الموانئ، بل حلّت محلها أدواتٌ وقوى هذا الاحتلال السعودي الإماراتي الذي رفع في البداية شعارات الأخوة والمؤازرة، قبل أن يكشف عن وجهٍ استعماري آخر لا يختلف في جوهره عن الوجه القديم.

تسير الحكاية اليوم على الوتيرة ذاتها؛ فالموانئ والمطارات الحيوية التي شُيّدت لتكون شرايين حياة لليمنيين باتت مغلقة أو خاضعة للسيطرة المباشرة لقوات الاحتلال السعودي الإماراتي، وحُوّلت بعض أصفى أرجاء البلاد كجزيرة سقطرى وميناء بلحاف إلى مناطق نفوذ وقواعد معزولة. وفي حين يرزح المواطن تحت وطأة انقطاع الخدمات، وانهيار العملة، وتغييب مؤسسات الدولة الوطنية، يرى ثروات أرضه تُدار بعيداً عن إرادته وقراره المستقل.

وكما عمل الاستعمار القديم على تحويل النسيج الاجتماعي إلى كيانات مفككة لضمان بقائه، يُغذّي الاحتلال السعودي الإماراتي اليوم الصراعات المناطقية وتُنشأ في ظله التشكيلات العسكرية خارج إطار الدولة والسيادة الوطنية. غاب المندوب السامي البريطاني ليحل محله غرف عمليات هذا الاحتلال الجديد التي تتخذ القرار نيابة عن أبناء الأرض، وتحرمهم من ممارسة حقهم الطبيعي في إدارة شؤونهم والعيش بكرامة.

إن قصة أكتوبر صفحة لم تطوى في كتاب التاريخ؛ وهي درسٌ حي يتردد صداه في كل شبر من أرض الجنوب. تُذكّرنا هذه الذكرى بأن الروح التي أخرجت المحتل القديم من ردفان وعدن لا تزال حية في وجدان اليمنيين، وأن الشعوب التي ذاقت طعم الحرية لا يمكن أن تقبل بالاحتلال السعودي الإماراتي أو أي شكل من أشكال الوصاية، مهما ارتدت من مساحيق الأخوة أو تلحفت بدعاوى الحماية. وكما انقضت حكاية الاستعمار الأول، ستنتهي كل محاولات المصادرة والهيمنة، لتبقى الأرض لأهلها، والسيادة لأبنائها.