تتجاوز ثورة 14 أكتوبر المجيدة في وجدان الشعب اليمني كونها مجرد ذكرى تاريخية لانطلاق شرارة التحرر من جبال ردفان، لتصبح معياراً حياً تُقاس عليه المواقف الوطنية وتُختبر به ولاءات النخب السياسية.
وتتجسد عظمة هذه الثورة في كونها رفضاً قاطعاً للوصاية الأجنبية، وإعلاناً لحق اليمنيين في سيادة قرارهم الوطني، وهذا المبدأ يضع الخطابات السياسية الأخيرة أمام اختبار حقيقي للانتماء: فكيف يمكن أن تُستحضر أمجاد التحرر من الاستعمار في خطابات تصدر من عواصم دول إقليمية تقود مشاريع استعمارية؟
في ذكرى هذه الثورة المباركة، وبعد سنوات العدوان الطويلة، تتجلى المفارقة الصارخة بين من يحمل بندقية الاستقلال على تراب وطنه، وبين من يحمل حقائبه ليتنقل بين الأجنحة الفاخرة في عواصم دول الخليج.
نعم، لقد رحل الاستعمار البريطاني بجيوشه وأساطيله، لكنه أطل برأسه مجدداً عبر نمط جديد ومبتكر من "الاستعمار الخفي"؛ استعمار لا يحتاج إلى إنزال قوات على الأرض، بل يعتمد على مصادرة الإرادة السياسية، عبر استضافة وتوجيه نخب سياسية لتحويلها بعد ذلك إلى أدوات طيعة لتمرير مخططات تمزق الجسد اليمني.
ولهذا السبب، تفتقد الخطابات الصادرة من الرياض وأبو ظبي - والتي تتغنى بأمجاد أكتوبر- إلى أبسط مقومات المصداقية السياسية والوطنية، بل وتمثل مفارقة سياسية وأخلاقية صارخة، فهذه النخب التي اتخذت من الفنادق الفارهة مستقراً لها منذ أكثر من عقد من الزمان، فقدت أي ارتباط عضوي بنبض الشارع اليمني ومعاناته اليومية. فكيف لمن ينتظر توجيهات تحركه من كفيله الإقليمي أن يدعي الحديث باسم ثورة قامت في جوهرها لرفض الوصاية والتبعية؟
لقد تحولت هذه النخب إلى مجرد واجهات تُشرعن التدخلات الخارجية، وباتت تتحرك وفق بوصلة مصالح الدول الإقليمية بدلاً من مصلحة وطنها، لتُستخدم كأوراق لعب على طاولات المفاوضات الإقليمية.
هذا الارتهان أفقد خطاباتهم أي وزن حقيقي لدى المواطن اليمني، وجعل من احتفائهم بثورة أكتوبر مجرد طقس بروتوكولي يلبي حاجة الكفيل لإفراغ الثورة من محتواها التحرري، وتوفير غطاء لتمرير مشاريع التشظي والانقسام التي تخدم مصالح تلك الدول المضيفة على حساب استقرار اليمن ووحدته. فلا يمكن لمن ارتهن قراره السياسي للخارج، أن يدعي تمثيل روح ثورة أكتوبر التي قامت أساساً لانتزاع السيادة من المحتل الأجنبي.
في الضفة الأخرى، يكتسب الخطاب الداخلي الذي قدمه المشير مهدي المشاط - رئيس المجلس السياسي الأعلى- مشروعيته من التحامه المباشر بالمجتمع اليمني والتصاقه بواقع المواطنين داخل بلده. فهو خطاب يستند إلى قوة وصلابة الانتماء للأرض، ومهما تباينت الآراء، ومهما كان حجم التحديات، تظل حقيقة بقاء هذه القيادات في قلب المعركة، تتنفس هواء اليمن وتتحمل قسوة الحصار وتبعات العدوان، هي مصدر شرعيتها الأساسي.
فالتخندق مع الملايين من أبناء الشعب اليمني وتقاسم رغيف الخبز والمعاناة اليومية معهم يمنح الخطاب الداخلي عمقاً ومصداقية لا يمكن لأي منبر خارجي مأجور أن يضاهيها.
هذا التواجد الميداني ليس مجرد موقف جغرافي، بل هو تعبير عن استقلالية القرار الوطني ورفض الإملاءات الخارجية؛ فالشريحة الواسعة من الشعب التي تلتف حول هذا الخيار، تفعل ذلك لإدراكها العميق بأن من يشاركها الألم هو الأجدر بالتعبير عن آمالها.
وقد أثبتت سنوات العدوان أن القيادة التي تستمد قوتها من حاضنتها الشعبية الداخلية قادرة على الصمود في وجه أعتى العواصف، لأنها ببساطة تمتلك قرارها، ولا تنتظر إذناً من سفير أو توجيهاً من ضابط استخبارات أجنبي.
إن جوهر ثورة 14 أكتوبر يكمن في الكرامة الوطنية التي تأبى الخضوع. واليوم، يتجلى هذا الجوهر بوضوح فيمن اختار البقاء على تراب وطنه، مدافعاً عن سيادته، ورافضاً لكل أشكال الوصاية الخارجية. وشرعية تمثيل الشعب لا تُمنح عبر الشاشات، ولا تُصنع في الغرف المغلقة للعواصم الإقليمية، بل تُنتزع بالبقاء في خندق الوطن. واليمن، الذي طرد أقوى إمبراطوريات العالم بالأمس، لن يمنح صكوك الوطنية لمن ارتهنوا للخارج، وسيكتب التاريخ بحروف من نور أسماء من صمدوا في الداخل، مجسدين الإرادة الحرة لشعب يأبى الانكسار.