كان اليمنيون أمةً واحدةً وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءتهم الوهابية، واستهدفتهم الصهيونية العالمية بسموم الأفكار الداعشية؛ لضرب الوحدة الوطنية، وتدمير منظومة القيم والمبادئ الدينية والأخلاقية. وبينما كانت تعز العز مهوى أفئدة اليمنيين، ومنارةً للسلام، ودارًا آمنةً للعيش المشترك، ومهبط أرواح المفكرين، وبيئةً خصبةً للمثقفين.
ولم تزل على هذا الحال منذ زمن طويل؛ تتربع على عرش الريادة في الفكر والثقافة وحرية الرأي، فأنجبت أهل الكياسة والإدارة والسياسة.
وأيُّما وافدٍ وفد إليها، وتنفس من عبير نسائمها، ولامس تواضع أهلها، ورأى ابتسامة أبنائها كطبعٍ متغلغلٍ في أعماق قلوبهم؛ تناسى همومه وآلامه، واكتست روحه بالمحبة والسلام، والصدق والحلم، والكرم والوئام. تلكم تعز، وذلكم أهلها الصوفية الشافعية التي ما عرفت قط الجهوية ولا الطائفية ولا العنصرية؛ فقد كان للتدين الصافي والتصوف الصادق دورٌ مهمٌ في صقل وتهذيب النفوس، وتغذية الأفئدة والقلوب بمكارم الأخلاق وسموها، وصدق انتماءٍ دون تكلفٍ ولا رياء.
ولما كان ذلك من حالهم، كان الأعداء يتربصون بمدينتنا الحالمة ويكيدون لها المكائد، متخذين من بعض ضعفاء النفوس ممن رضوا أن يكونوا لهم جنودًا مجندةً وعبيدًا وأدواتٍ لتنفيذ مخططاتهم القذرة وما حاكوه من المؤامرات؛ فما كان منهم إلا أن ألبسوا الإخوان بلباس الحزبية، واستخدموا الدين وسيلةً لإثارة الكراهية وإشعال الفتن المذهبية، فأنفقوا في سبيل ذلك الأموال الطائلة لشراء الولاءات، وإشعال شرارة الصراعات، وتوسيع دائرة الخلافات.
وإنما أراد العدو السعودي اللعين من وراء ذلك إضعاف اليمن وتمزيقه، وتزييف الهوية الإيمانية للشعب اليمني المسلم العزيز؛ خدمةً للمشروع الصهيو-أمريكي في المنطقة، طمعًا منه في أن تستمر له السيادة والنفوذ والهيمنة على الجمهورية اليمنية.
فقد رأى أن ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر فرصةٌ ذهبيةٌ لتنفيذ مخططاته الشيطانية، فقوض مخرجات مؤتمر الحوار ووثيقة السلم والشراكة التي وقعت عليها مختلف القوى والأحزاب الوطنية، وضمنت الشراكة في الحكم، وقد مُنحت بالتوقيع عليها من جميع الأطراف الصفة الشرعية. وحينئذٍ جُنّ جنون العدو الصهيو-سعو-أمريكي، فأوعز لأدواته بالانقلاب على تلك التوافقات الوطنية ذات الشرعية الدستورية.
وهنالك شن عدوانه الإجرامي الظالم على يمن الحكمة والإيمان، فتهيأت لأدواته في الداخل الفرصة المواتية لتفجير الأوضاع في البلاد، وفي مقدمهم منافقو ومرتزقة محافظتَيْ تعز العزة والإباء ومأرب الشموخ والتاريخ والمجد والكبرياء. وكذلك نجح العدو اللدود في إدخال اليمن -ولا سيما تعز ومأرب ومحافظات الجنوب- في صراعٍ طال أمده.
بيد أن هذه الجهود والعدوان المستمر لعقود كان تأثيرهما في الواقع محدودًا؛ حيث ارتطمت المؤامرات بجدار الوعي المتجذر في أعماق اليمنيين، فتجلى عنه الثبات والصمود، وباءت كل المخططات الخبيثة بالفشل الذريع. وها هي تعز العز -برجالها الشرفاء، ومشايخها الأوفياء، ونجبائها الكرماء، وعقلائها النبلاء، ومجاهديها العظماء- تعود إلى أحضان الوطن وإلى سابق عهدها؛ لتستكمل مسارها المعهود، وتصنع نصرها الموعود، وتعانق صنعاء في اليوم المشهود، وفي القريب العاجل، ستتلوها مأرب الكرم والجود وموطن الجدود وأرض الحضارة والسدود، وتتطلع أرض الجنوب اليمنية الحرة العزيزة إلى الحرية والكرامة والعزة والنصر والأمل المنشود.
وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم، وذلك وعد الله لعباده الصالحين، والعاقبة للمتقين، وبشر الصابرين.
والحمد لله رب العالمين.