لم يأتِ المثل القائل: "الطيور على أشكالها تقع" من فراغ، ولكنه كان نتيجة لتجارب الحياة التي أثبتت مع مرور الزمن صحة هذه المقولة؛ فلا يمكن أن تكون الغربان في سربٍ من النسور كما لا يمكن أن يكونوا الأحرار في بيئة العبيد، وفي واقعنا الراهن نجد التطبيق الفعلي يتجلى بكل وضوح؛ فحين نستعرض الأحداث نجد أن هناك من كان مع الحق، وهناك أيضًا من هو مع الباطل، ولا نجد أيضًا أن أهل الحق يمكنهم أن يتقبلوا أهل الباطل أو يعيشوا معًا، ليس لأن ذلك مستحيل، ولكن لأن السنن تقتضي ذلك.

وهُنا يمكن أن نطبق هذا المثل فيما يحدث بين جبهتي الحق والباطل، بين فريق أراد لنفسه أن يعيش بكرامة، وبين فريق آخر أراد لنفسه الذل والمهانة، إنه الامتداد التاريخي بين أهل الحق وأهل الباطل؛ فحين رفض آل بيت النبي -صلى الله عليه وآله- أن يعيشوا في واقع يحكمه أهل الباطل، وألا يكونوا عبيدًا إلا لله، رضي آخرون بأن يعيشوا واقعًا يكونون فيه عبيدًا لغير الله، بل إنهم جندوا أنفسهم ومقدراتهم للدفاع عن أسيادهم من أهل الباطل، ومعاداتهم لأبناء جلدتهم من أهل الحق.

التاريخ يعيد نفسه؛ ففي عهد الرسول -صلى الله عليه وآله- تحالف كفار قريش بقيادة أبي لهب وأبي جهل وأمية بن خلف، واليهود، وبعض القبائل العربية، في حلف مكة، لقتال رسول الله -صلى الله عليه وآله- وللقضاء عليه في بداية بعثته، إلا أن الله سبحانه وتعالى جعل كيدهم في نحورهم، وانتصر عليهم.

ولأن التاريخ يعيد نفسه، حلف مكة يتكرر للمرة الثانية من احفاد حلفاء الماضي، وذلك، لمقاتلة آل بيت النبي وأنصارهم، وسوف يُهْزَمون حتمًا بعون الله كما هُزِمَ أسلافُهم.

ولأن الحق وأهله والباطل وأهله يُعدّون امتدادًا تاريخيًا، نجد أن أحفاد أهل الحق لا يزالون يصرّون على العيش بعزة وكرامة، بينما نجد أن أحفاد الباطل وأهله لا يزالون يتمرغون في أوحال الذلة والعمالة.

وهنا تأتي الشواهد المؤيدة لهذه المعادلة؛ فحين نرى أن النظام السعودي وبعض الأنظمة العربية تسخّر كل مقدرات شعوبها خدمة للبيت الأبيض، وهم يعرفون تمام المعرفة بأن المستفيد الأول من تلك الأموال ليس أمريكا فحسب، بل العدو الصهيوني الذي يعتبر من أشد الأعداء للأمة العربية والإسلامية، ذلك العدو الذي لم يدخر جهدًا في محاربة كل من يناصر المستضعفين والمظلومين من المسلمين.

وليس مستغربًا أن نجد أن هناك من أمتنا العربية والإسلامية من تولّوا اليهود والنصارى، ووقفوا معهم في خندق واحد ضد إخوانهم من العرب والمسلمين؛ فقد ذكر الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم آيات كثيرة محذّرًا من تولّي اليهود والنصارى، لعلمه سبحانه أن هناك ممن ينتمون إلى الإسلام من سيتولّون أعداء الله، بل ويقفون معهم في محاربة الإسلام والمسلمين، كما قال تعالى: {إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}.

لذلك يجب أن ندرك أن الوعي والثقافة القرآنية أصبحا من أهم ضروريات الصمود، كما أصبح استهدافهما من أولويات الأعداء؛ ذلك لأنهما أصبحا يمثلان العائق الأكبر أمام أراجيفهم وتضليلهم.