العدوان الأمريكي وخيارات الردع اليمني
تقرير . يحيى الربيعي
في محاضرته الرمضانية، أكد قائد الثورة السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي على صمود شعبنا وثباته أمام التحديات الجسيمة التي تواجهه، مشيراً إلى أهمية الموقف الإيماني الذي يمثل دافعاً رئيسياً لمواجهة الطغيان الأمريكي والإسرائيلي. وبيّن أن شعبنا العزيز لن يتزعزع عن مبادئه القويمة، مهما كانت الضغوط أو الجرائم التي تُمارس ضدنا.
كما أشار السيد القائد إلى أن العدوان الأمريكي لم يكن سوى جولة جديدة من الاعتداءات التي يسعى من خلالها إلى تقويض قدرات اليمن، لكنه في الحقيقة يسهم في تعزيز عزيمة الشعب وقدراته العسكرية. إن هذا الصمود، والذي يستند إلى قيم إيمانية وإنسانية شامخة، يعكس استعدادنا الكامل لمواجهة التصعيد بالتصعيد.
وفي ظل التحولات السياسية والعسكرية الراهنة، دعا السيد القائد إلى ضرورة التحرك الشامل ينقل شعبنا من حالة الدفاع إلى حالة الفعل الجماعي، مؤكداً أن الرد على أي عدوان سيظل ضمن خياراتنا العسكرية والاستراتيجية. إن الشعب اليمني، وسياساته الكبرى، تتجه نحو تعزيز الهوية والجهاد في سبيل الله والدفاع عن المظلومين.
صمود وثبات لا يتزعزع
تتسم المرحلة الحالية بالتوترات المتصاعدة جراء العدوان الأمريكي والإسرائيلي على شعوب المنطقة، حيث يتجلى شعبنا في صمودٍ قوي وثباتٍ لا يتزعزع على مبادئه الإنسانية والإيمانية. ينطلق موقف شعبنا من إيمان راسخ بشجاعة وعزيمة، تعكس قدرته على مواجهة الطغيان، مؤكدًا العزم على التصدي لكل محاولات الضغط والاعتداء.
تاريخنا مليء بالتجارب الجهادية ضد العدوان، وها نحن نعيش جولة جديدة من هذا الصراع، لكن إيماننا بأن العدوان لن يحقق أهدافه في تقويض قدراتنا العسكرية يعزز من روح المقاومة والتحدي وتعزيز التماسك الداخلي والتحرك الجماعي على جميع الأصعدة.
بكل المعايير الدولية، اعتبرت الغارات الأمريكية على اليمن عدواناً سافراً على دولة ذات سيادة، كما تشجع هذه الأفعال كيان العدو الإسرائيلي على الاستمرار في حصاره الجائر على غزة. خصوصا، وأن التصريحات التي يدلي بها الرئيس الأمريكي حول خطر يتهدد الملاحة الدولية في مضيق باب المندب غير دقيقة وتفتقر إلى أي أدنى مستوى من المسؤولية والموضوعية، فضلا عن كونها تعد جريمة حرب مكتملة الأركان كونها تهدف في الأساس، إلى تضليل الرأي العام الدولي.
ذلك أن المبرر الأمريكي هو الحظر البحري الذي أعلنه اليمن على الملاحة الإسرائيلية دعماً لغزة، الذي يقتصر فقط على الملاحة الإسرائيلية. ويأتي بعد مهلة من التفاوض استمرت أربعة أيام مع الوسطاء، مما يدل على حرص اليمن على عودة تدفق المساعدات الإنسانية إلى أهالي غزة، وفقاً لاتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه بين المقاومة الفلسطينية وكيان العدو.
وفي سياق ذلك، تؤكد اليمن أن الملاحة الدولية في البحر الأحمر ستظل آمنة ، وأن الغارات الأمريكية تشكل عودة لعسكرة البحر الأحمر، كونها من يمثل التهديد الفعلي للملاحة الدولية في المنطقة. بالتالي، من الضروري أن يدرك المجتمع الدولي الحقائق المجافية والتي تمثل الرواية الحقيقية للموقف، وكذلك أهمية دعم حقوق الشعب في مواجهة العدوان الأمريكي البريطاني.
هذا العدوان، الذي اعتبر، من قبل العديد من المراقبين والمحللين، تشجيعاً للكيان الإسرائيلي لمواصلة حصاره الجائر على قطاع غزة. ففي الوقت الذي يُفترض فيه أن تكون الولايات المتحدة راع فعلي لاتفاق وقف إطلاق النار وإحلال الاستقرار في غزة، جاءت هذه التحركات لتؤكد العكس من ذلك تماما.
كما تم دحض المزاعم التي أطلقها الرئيس الأمريكي حول تهديد الملاحة الدولية في مضيق باب المندب. إذ أكد الجيش اليمني أن الحظر البحري المعلن لدعم غزة كان إلى ما قبل العدوان الأمريكي يقتصر فقط على السفن الإسرائيلية، وذلك في غرض إنساني نبيل، وهو الضغط على الكيان لتسهيل إدخال المساعدات الإنسانية إلى غزة، وفقاً لاتفاق وقف إطلاق النار الذي ترعاه الولايات المتحدة بين المقاومة الفلسطينية والعدو الإسرائيلي.
إلا أنه، وبدلاً من توجيه أمريكا لسهامها العدائية نحو الاعتراف بالحقوق الفلسطينية والحرص على استكمال استحقاقات اتفاق إطلاق النار، كما كان ينبغي، جاءت الولايات المتحدة لتظهر وكأنها توفر الغطاء للممارسات الإسرائيلية غير الإنسانية. وفي حقيقة الأمر، كان اليمن قد منحت الوسطاء، بما في ذلك الولايات المتحدة، مهلة أربعة أيام قبل تنفيذ هذا الحظر، مما يدل على حسن النية والرغبة في الإسناد الأخلاقي والديني للحق الفلسطيني، بينما جاءت الردود الأمريكية لتكشف عن نوايا مغايرة.
يمكن القول إن هذا السلوك يعكس صورة واضحة عن ازدواجية المعايير التي تتبعها الولايات المتحدة الأمريكية، والتي تتجاهل حقوق الشعوب في مقابل المصالح السياسية. لن يتوقف الأمر هنا، فاستمرار هذه السياسات قد يعمق من الأزمات الإنسانية ويدفع نحو مزيد من الصراعات، مما يتطلب من الجميع موقفاً حازماً أكثر تماسكاً ورؤية تجاه الخروقات الامريكية الفاضحة للقوانين والأعراف الدولية.
استنكار عالمي بالإجماع
في إجماعٍ منقطع النظير، أدانت معظم دول العالم، من مختلف أطرافه، بشدة العدوان الأمريكي الذي استهدف مناطق مدنية في صنعاء، صعدة، وذمار، وأسفر عن سقوط شهداء وجرحى من المدنيين. وقد وصفت بيانات الإدانة هذا العدوان بأنه يعد انتهاكا صارخا لسيادة اليمن واستقراره، وخرقا فاضحا لميثاق الأمم المتحدة والقوانين والأعراف الدولية.
تشير الأحداث إلى أن الهدف من هذا العدوان هو ثني اليمن عن موقفه المساند للشعب الفلسطيني، كما يسعى إلى حماية الكيان الصهيوني الغاصب لاستمرار جرائمه ضد الفلسطينيين، والتي تتواصل منذ أكثر من 15 شهراً بدعم أمريكي.
كما تُبرز الأحداث أن الغارات تعتبر خطوة تهدف إلى عسكرة البحر الأحمر وتشكيل تهديد مباشر للملاحة الدولية. هذا التهديد يُعزى أيضاً إلى محاولات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للهروب من ملاحقة الفضائح السياسية المرتبطة بفترته الرئاسية الثانية، التي شهدت تراجعاً ملحوظاً في قراراته. لقد فشل ترامب في عدة ملفات كغزة وكندا وأوكرانيا والصين، مما أدى إلى ارتباك في العلاقات الأمريكية الخارجية وجلب سخطاً واسعاً على السياسة الأمريكية.
لذا، فإن الهجوم على اليمن يمكن أن يُرى كوسيلة لتغطية هذه الهزائم والبحث عن انتصار إعلامي يشتت انتباه الرأي العام العالمي عن فضائحه السياسية. وفقاً لبعض المحللين، فإن ترامب يسعى لاستعادة الردع التي فقدتها الولايات المتحدة خلال المعارك البحرية مع الجيش اليمني طوال الفترة الماضية والتي انتهت بهزيمة مذلة لواشنطن سمع بها العالم أجمع.
خيارات الردع اليمني مفتوحة
تظل خيارات الردع اليمني مفتوحة، فاليمن غير البلدان الأخرى فهو يمتلك السلاح والإرادة وله الجرأة على اتخاذ أي قرار وبالتالي فإن القوات المسلحة اليمنية ستعمل بداية على حظر الملاحة الأمريكية ومنع مرور السفن الأمريكية العسكرية منها والمدنية وإذا واصل العدو الأمريكي تصعيده تجاه اليمن فالتأكيد ستلجأ القوات المسلحة اليمنية إلى خيارات أكثر تصعيدا.
وفي رد أولي، أصدرت القوات المسلحة بيانها العسكري الأول ، من وحي قوله تعالى: “فمَنِ اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم”. ففي اطلالة شجاعة من الناطق الرسمي للقوات المسلحة العميد يحيى سريع، أُوضح البيان بأن العدو الأمريكي قد شنّ عدواناً سافراً خلال الساعات الماضية، مُسجلاً أكثر من 47 غارة استهدفت مناطق عدة في صنعاء، صعدة، البيضاء، حجة، ذمار، مأرب، والجوف، أسفر عنها العشرات من الشهداء وجرحى العشرات من المدنيين، في جريمة أخرى تُضاف إلى قائمة العار الصهيوأمريكي والبريطاني.
ولكن هيهات أن يُظهر اليمن أي تراجع! فقد أكد البيان أن القوات المسلحة ردت، بعون الله تعالى، بعملية عسكرية نوعية استهدفت حاملة الطائرات الأمريكية “يو أس أس هاري ترومان” والقطع الحربية التابعة لها في شمال البحر الأحمر. وبتصميمٍ لا يُحبط، استخدمت القوات اليمنية 18 صاروخاً بالستياً ومجنحاً وطائرة مسيرة، في عملٍ مشترك يتجسد فيه التنسيق والتحدي.
وشدد البيان أننا لن نتوانى عن استهداف كل قطعة حربية أمريكية في البحرين الأحمر والعربي؛ هذا هو وعدنا، وأمام العالم، لن نسمح بأن يمر هذا العدوان دون عقاب. ومن هنا، نؤكد أننا مستمرون في فرض الحصار البحري على العدو الإسرائيلي، ولن ندخر أي جهود لدعم غزة في محنتها.
إن العدوان الأمريكي لن يزيد اليمن وشعبها إلا قوة وثباتاً، وكما قال أحدهم: “لن تُقهر الأرض التي تحتضن أحرارها”. فاليمن ليست مجرد مكان يمكن لأمريكا أن تعبث فيها كيفما تشاء؛ وإنما هي أرض إرادة وكرامة، وعلى كل مُعتدٍ أن يدرك جيداً: أن اليمن شعب، لا يركع ولا يساوم. وإذا كان المجتمع الدولي قد عودنا على يكتفي، في أحسن حالاته، ببيانات الشجب والتنديد، فإن اليمن يعلنها بقوة إيمانه وتوكله على الله: هيهات منا الذلة. متعهدا بكل ما منح منه قوة أن عهد الذلة قد ولى إلى غير رجعة، ولم يعد هناك مكانا في يمن اليوم للاعتداءات بغير رد رادع. إن أصوات اليمنيين ستظل ترتفع، وعود صمودهم يشتد، وتاريخهم سيبقى شاهداً على أنه بلد يقاوم كل اشكال الظلم والطغيان.