اليمن يُعرّي زيف وعود ترامب للشعب الأمريكي
“أمريكا تظن أن قنابلها تُرهبنا، لكنها تنسى أننا خضنا ثمان سنوات تحت نيران تحالفٍ دولي.. وكان ذلك سبباً في تحسين وتطوير قدارتنا، وهي اليوم ترتكب الخطأ ذاته”. قال ذلك السيد القائد في أحد خطاباته الأخيرة، لذلك لم تخطئ كثير من التحليلات القادمة من عقر دار الأمريكي بتأكيدها أن الهجمات ضد اليمن عبثية، وتمثل استمرارًا لنهجٍ خاطئٍ في التعامل مع معضلة عمليات القوات المسلحة اليمنية المساندة لغزة.
بات اليمن بالفعل يمثل معضلة لأمريكا و”إسرائيل” وحتى لمؤسسات التخطيط والاستشارات الأمريكية التي عجزت عن الوصول بتحليلاتها إلى فهم لغز اليمن، وهو الذي مع كل عملية قصف أمريكية عمياء يزعم البنتاجون أنها دمرت شيئا من قدرات اليمنيين، تأتي عملية جديدة للقوات اليمنية أكثر إيلاما، لتبرهن بأن ترامب بعساكره إنما يذر الرماد على أعين من علّقوا عليه الأمل من الإسرائيليين ليرفع عنهم ثقل الصواريخ والمسيرات اليمنية ويساعدهم على النوم.
تبرز هذه المعضلة أكثر مع تزايد الكلفة المالية التي تخسرها واشنطن يوميا، سواء في محاولاتها رد الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة -وهو ما جدد التأكيد عليه موقع “مليتاري” العسكري الأمريكي الذي كشف بأن البحرية الأمريكية تعمل على تقليل التكاليف المرتفعة لمواجهة الطائرات المسيّرة اليمنية- أو في إطلاق طائراته لقصف الأعيان المدنية وقتل المديين.
ترامب يخادع شعبه بالأوهام
الأكيد أن أمريكا تعيش اليوم شتاتاً ذهنيا عقّد قدرتها على فهم المعطيات بشكل سليم، وأعمى بصيرتها عن إدراك أن هزيمة أو كسر القوة اليمنية الحيّة أصبحت فكرة حمقاء، إلا إذا تمكنت من كسر عوامل هذه القوة، وهذه العوامل هي التي تنطلق من الثقة بالله سبحانه أولا، ثم من المظلومية والتفاف الشعب اليمني حول قيادته، إلى جانب عوامل الجغرافيا والتضاريس والعقيدة القتالية والقدرة على الاستفادة من التقدم العلمي في تصنيع الأسلحة النوعية، وامتلاك الإرادة القوية التي ساعدت في اختصار الزمن وامتلاك السلاح المربك للشيطان الأمريكي. عدا ذلك فما على أي غازٍ إلا أن يقتنع بأن الركون إلى أن قتل المدنيين وتدمير البنية التحتية ورقة ناجحة فيه منتهى السذاجة، ورهان عبثي لن يقود إلا إلى مزيد من الخسائر.
ترامب الذي وعد الشعب الأمريكي في خطابه المعسول الأربعاء، بالعودة إلى منهجية البلطجة على العالم من أجل سرقة أموالهم لتغذية خزينته، لم يكاشفهم عن وضعه الحقيقي وخسائره المرشحة للزيادة في “الشرق الأوسط”، وعلى أيدي اليمنيين تحديدا، أكان لجهة كلفة مواجهة عمليات القوات اليمنية، أو الرضوخ إلى قرار اليمن بمنعه من المرور بسفنه عبر البحر الأحمر واضطراره إلى السير بعيدا.
في تقرير سابق للبيت الأبيض الصادر في 15 مارس 2025 أكد أن السفن التجارية التي كانت تعبر البحر الأحمر سنويًا وعند بدء العمليات اليمنية عام 2023 انخفضت من 25 ألف سفينة إلى 10 آلاف فقط، ما أدى إلى أزمة خانقة في الإمدادات العالمية. كما اعترف التقرير بأن الولايات المتحدة وحلفاءها لم يتمكنوا من حماية سفنهم، ما اضطرها لتغيير مسارها حول أفريقيا، ما يضيف أكثر من عشرة أيام إلى مدة الرحلات ويرفع تكاليف الشحن بمعدل مليون دولار لكل رحلة.
ترامب أيضا لم يوضح للشعب الأمريكي عن طُرق تغذية رأسمال بلاده بـ(6) تريليون دولار، واكتفى بالتأكيد على فرض رسوم جمركية جديدة على دول العالم، والمسألة بهذا المنطق إنما تعني بوضوح اعتماد طريقة السرقة والابتزاز، وليس في الأمر نشاط تجاري المتراجع أصلا داخل أمريكا.
في كل الأحوال كشف خطاب ترامب عن حقيقة أن بلاده تعيش فعلا أزمة إدارة يمكنها أن تحقق لها مكاسب استراتيجية مستدامة، لا تقوم على قرارات النهب التي يمكن أن تنتهي من خلال ضغط الدول المستهدفة، أو إلغاء القرارات بمجيئ رئيس جديد إلى البيت الأبيض.
وفي هذا الخضم، يبرز اليمن واحداً من أسباب الاستنزاف التي من شأنها التسريع من دخول أمريكا في أزمات خانقة ربما تكون بداية لتفكك اتحادها. وليس أمام إدارة ترامب أفق واضح لحسم جولة العدوان الجديدة على اليمن لصالحه لجهة تحقيق هدفه بإيقاف الهجمات بل وتدمير قدرات اليمنيين.
يقول وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي: منذ 10 سنوات تُبذل جهود حثيثة ومحاولات عديدة لكسر الشعب اليمني لكنّه لم يُهزم، مردفا “بات أمرًا مسلما أنّه لا يمكن هزيمة الشعب اليمني عبر الهجمات والعدوان”.
في السياق أيضا، قال كبير مستشاري قائد الثورة الإسلامية في إيران، علي لاريجاني: إنّ اليمن شهد العديد من الحروب عبر تاريخه، “وكلّ من تورّط فيه وجد نفسه غارقاً في المشكلات”. وشدّد على أنّ اليمنيين مقاتلون أذكياء وأقوياء في الحروب، وأنّ الشعب اليمني “مقاتل شجاع، وليس من مصلحة أميركا أن تخوض حرباً ضده”.
تراجع الخيارات أمام ترامب وأبسطها الانتحار
طول أمد المواجهة ليس في صالح ترامب، خصوصا مع انعدام الخيارات أمامه والتي أبسطها، انتحارية، ما يشير إلى أن غياب الرؤية في التعامل مع موضوع العمليات اليمنية أوقعه في شراك الورطة، التحرر منها سيكلفه الكثير، لكنه يبقى أقل كلفة من خيار الاستمرار، أما خيار رفع ممستوى التصعيد، فكل المستويات لا تعني شيئا لدى اليمنيين، بل إنها قد تدفعهم إلى اتخاذ خطوات أكثر قسوة وألماً للكيانين الأمريكي والإسرائيلي على مستوى تطوير القدرات والأداء.
والملاحظ أيضا في سياسة ترامب، هو مزامنة تصعيد التصريحات مع تكثيف الغارات على المحافظات، وهذا اللجوء المتزامن، هو دليل بذاته على الشعور باليأس والإحباط، إذ اعتاد ترامب على تفعيل سلاح التصريحات النارية لإرهاب العالم ليوفر بذلك على نفسه كلفة العمل العسكري، وغالبا ما كان ذلك يصل به إلى نتيجة مقبولة دون اللجوء إلى أي تحرك عملي سواء كان عسكريا أو تضييقا اقتصاديا أو ما شابه. في اليمن كان الأمر بالنسبة لترامب مختلفا، إذ أطلق العنان لنفسيته المريضة بأن تنضح بما فيها، فوجد موقفا حاسما من اليمن، فلجأ إلى القوة العسكرية ليرى من اليمن عيناً لا تقبل فرض الإملاءات والتهديدات أو الاعتداء.
ومع وصول العقلية الترامبية إلى طريق مسدود تحوّل إلى التلويح بمستويات من الأسلحة الفتاكة التي يمكن أن يستخدمها حسب زعمه، ليجد في المقابل ردا حاسما من القوات المسلحة اليمنية بامتلاك أسلحة ستمثل مفاجأة صادمة له ولقواته إذا ما تهور أكثر أو استمر في رعونته. وقبل أيام أكد وزير الدفاع والإنتاج الحربي اللواء الركن محمد ناصر العاطفي بأن لدى اليمن من المفاجآت بشأن القدرات العسكرية ما يذهل العدو. وقال “مهما حشد الأرعن ترامب من حاملات طائرات وسفن حربية وطائرات فإننا بإذن الله قادرون على كسر إرادة القتال لديهم ودحر كل أطماعهم، وسيدفعون الثمن باهظاً وسيندمون كثيراً على غاراتهم الوحشية الإجرامية الجبانة التي استهدفت الأحياء السكنية وراح ضحيتها عدد من الشهداء المدنيين من بينهم أطفال ونساء، وأن ميدان المواجهة بين الحق والباطل هو من سيتحدث قريباً عن انتصاراتنا”.
يقول المذيع في “القناة 12” الصهيونية عوفر حداد، إنه “على الرغم من تزايد الهجمات الأميركية في اليمن إلا أنها لا تؤثر في قدرة اليمنيين، كما يظهر على الأقل من وتيرة الصواريخ نحو إسرائيل”.
وتقول مديرة كلية غيرتون في جامعة كامبردج البريطانية إليزابيث كيندال لوكالة فرانس برس إنه “لا ينبغي الاستهانة بتحدي هزيمة الحوثيين”.
فما الذي بقي في جعبة ترامب ليراهن عليه؟
الواضح اليوم أن الرئيس الأمريكي إنما يؤسس لمرحلة طويلة من المواجهة، لن تنتهي من جهة اليمن إلا ببتر يد أمريكا نهائيا عن المنطقة، وعلى أمريكا جنى ترامب.
قرارات طائشة وغير قابلة للحياة
فشل ترامب يرى فيه كثير من المراقبين أمرا طبيعيا، لأن الرجل لا هو بالسياسي ولا العسكري، لذلك فإن قراراته دائما تتسم بالطيش والعبثية، لعدم استنادها على رؤى استراتيجية أو على الأقل قابلة للحياة. وبالتالي كثيرا ما كانت تتبخر، وتوهماته تجاه اليمن هي جزء من قراراته وأباطيله التي جعلته مسخرة العالم، وجعلت أمريكا معزولة ومحاطة بالكراهية، وتعيش أسوأ مرحلة لجهة نظرة العالم إليها.
وأي وعيد جديد يطلقه ترامب تجاه اليمن، صار أيضا يثير سخرية العالم الذي شهد بأُم عينية عمليات قواته سواء في العدوان الجديد أو خلال 10 سنوات ضمن تحالف العدوان على اليمن، كما أن هذه السخرية كانت تنطلق من التقييم الموضوعي لقدرة ترامب في مقابل إمكانيات القوات المسلحة اليمنية المتنامية التي أربكت الحسابات العسكرية الإسرائيلية في توقع مسارات السلاح اليمني عندما يباغت الكيان. يقول الباحث في معهد أبحاث “الأمن القومي” الصهیوني، يهوشع كاليسكي عن الصاروخ اليمني: إنّه على الرغم من إمكانية التنبؤ بمسار الصاروخ، فإنّ هناك احتمالاً بأن تتحرك المرحلة الثانية من الصاروخ في اتجاهات مختلفة.
وتذهب مجلة “warontherocks” (مجلة أمريكية مهتمة بالشأن الأمني والعسكري) إلى أن القوات اليمنية تمثل تهديدات متعددة “أولها أن لديها القدرة والإرادة لمهاجمة الأصول الأميركية وحلفائها ضمن مدى 2500 كيلومتر من ترسانتها من الصواريخ الباليستية.”
تفوق تكتيكي لافت للقوات المسلحة
ضف إلى ذلك، مرتكزا رئيسيا آخر وهو قدرة اليمن على تجاوز آثار هجمات العدو، بل والنجاح في خلق المعادل المكافئ لقوة العدو، وهو ما ظهر في حيازة أسلحة نوعية والاستفادة منها إلى الحد الذي أعجز أمريكا عن التعامل معها. إلى ذلك أظهر اليمن بقواته المسلحة تفوقا تكتيكيا لافتا، حيث يرى الخبير في شؤون الدفاع في مركز “أتلانتيك كاونسل” أليكس بليتساس بأن القوات المسلحة اليمنية أظهرت قدرة على التكيف مع الحروب الحديثة عبر استخدام تكتيكات غير تقليدية، مثل إطلاق الطائرات المسيرة والاعتداءات على أهداف استراتيجية في الخليج العربي.
تؤكد كيندال، وهي خبيرة في شؤون الشرق الأوسط أن أفراد الجيش اليمني ليسوا مجرد مقاتلين عاديين، بل هم “مقاتلون صامدون” استطاعوا التكيف مع طبيعة الصراع المعقدة وغير المتكافئة.
وقالت: “منذ سيطرة الحوثيين على صنعاء، حاول التحالف بكل السبل إيقاف تقدمهم، إلا أنهم استمروا في المقاومة، وأثبتوا مرونة استثنائية أمام الغارات الجوية، بل واستطاعوا الحفاظ على قدرتهم العسكرية بشكل كبير.”
وعلى صعيد تعقُّد أمر استهداف هذه القدرات يشير الخبير في شؤون الدفاع في مركز “أتلانتيك كاونسل” أليكس بليتساس إلى أن أسلحة القوات اليمنية أصبحت أكثر تطورًا وصعوبة في الاستهداف.
وقال: “القدرة على الصمود لدى الحوثيين تأتي جزئيًا من تنوع وتوزيع أسلحتهم عبر التضاريس الوعرة، حيث يصعب اكتشاف منصات الصواريخ المتنقلة التي يمتلكونها. وهذا يشكل تحديًا كبيرًا للقوات المعادية التي تحاول تدمير هذه الأسلحة”.