في لحظة إقليمية تتسم بتصاعد المواجهة واتساع دوائر الصراع، يبرز الصمود اليمني كحالة تتجاوز حدود الجغرافيا ويرسم طبيعة المرحلة المقبلة، ويرسم ملامح رؤية تقوم على اعتبار الصراع مع العدو الإسرائيلي مسارًا مستمرًا، وعلية فإن الإعداد الشامل كخيار وحيد لمواجهة هذا الواقع، فالصمود في اليمن أصبح إستراتجية متكاملة قوامها الوعي العميق بطبيعة الصراع، والإعداد المنهجي لمواجهته، في إطار رؤية طويلة الأمد تراهن على تراكم الإيمان والوعي والقوة والصبر، فالصراع، وفق هذه الرؤية، هو مشروعًا مستمرًا، وهذا يفرض يقظة دائمة تحصّن المجتمع من الغفلة والتضليل وتمنع المفاجأة.

يمثل الوعي في التجربة اليمنية حجر الأساس لكل أشكال الصمود، فالخطر لا يُقرأ بوصفه تهديدًا عسكريًا فحسب، بل كمشروع سياسي وإقتصادي وثقافي وإعلامي يسعى إلى الهيمنة وكسر الإرادة قبل كسر القدرات، من هنا، يتشكل الوعي كعملية مستمرة لكشف طبيعة العدو، وفضح أهدافه، وفهم أدواته المتنوعة، من القوة العسكرية إلى الحرب النفسية والإعلامية والاقتصادية.

هذا الوعي القرآني يجب أن يمتد الى المجتمع الشعبي، والى كل النخب والجيش، ليصبح جزءًا من الثقافة العامة، فحين يدرك المجتمع طبيعة ما يواجهه، تقل فاعلية التضليل، وتتراجع آثار الصدمة، ويصبح الصمود خيارًا واعيًا يتحول إلى قوة صلبة تسبق السلاح وتمنحه معناه واتجاهه.

إذا كان الوعي هو البوصلة، فإن الإعداد هو الطريق، وفي إستراتجية الصمود اليمني، يُنظر إلى الإعداد كواجب دائم يفرضه واقع الصراع المفتوح، هذا الإعداد يتخذ أشكالًا متعددة: روحية ومعنوية تعزز الثبات والصمود، وتنظيمية تضبط الجهد، واقتصادية تسعى للاعتماد على الذات، وعسكرية تركز على التطوير والتصنيع وبناء القدرات.

وما يميز هذا الإعداد أنه تراكمي، لا يبحث عن نتائج سريعة بقدر ما يسعى إلى بناء قدرة مستدامة، وهو إعداد يقوم على العمل الهدوء والصبر، بعيدًا عن الاستعراض، انطلاقًا من قناعة وإيمان بأن الحروب الكبرى تُكسب قبل اندلاعها، في ميادين الوعي والتخطيط وبناء الإنسان.

لا يمكن فهم الصمود اليمني دون التوقف عند دور الشعب بوصفه الفاعل الأساسي في هذه المعادلة، فالصمود هنا مسؤولية جماعية، الشعب اليمني، بما يحمله من إيمان وثقافة قرآنية، يُشكّل الحاضنة الحقيقية لهذا الصمود، وحوّل المعاناة إلى دافع للثبات والتماسك بدل الانكسار.

هذا الحضور الشعبي يمنح الصمود بعدًا أخلاقيًا وإنسانيًا، ويجعل من الاستمرار في المواجهة موقفًا نابعًا من إيمانه بالله والقرآن الكريم، كما أنه يشكل خط الدفاع الأول في مواجهة محاولات الاختراق الداخلي، وإضعاف الجبهة الداخلية.

من أبرز ملامح إستراتجية الصمود اليمني إدراك أن الصراع مع العدو الصهيوأمريكي وأدواته مستمر، لذلك يجب أن يُبنى الصمود على مبدأ النَّفَس الطويل، حيث تُدار المواجهة بوعي وإعداد، يُوازن بين الإمكانات والإرادة، بهذا الفهم يعزز القوة في المواجهة، والحفاظ على الجهوزية الدائمة لكل الاحتمالات.

وتكشف التجربة اليمنية أن الوعي دون إعداد يبقى وعيًا نظريًا، وأن الإعداد دون وعي قد يتحول إلى جهد مهدور، والجمع بينهما يصنع القدرة على الصمود والاستمرارية، في هذه المعادلة، يصبح الصمود الواعي، هو الذي تُدار به المعركة بقدر من الثبات والإرادة والمرونة في آن واحد.

إن إستراتجية الصمود اليمني، تقوم على معادلة واضحة: وعيٌ يحصّن، وإعدادٌ يحمي، وشعبٌ حاضر في قلب المعركة، لتقدم نموذجًا مختلفًا في إدارة الصراع مع العدو، نموذجًا لا يقوم على ردود الأفعال، ولا يراهن على الخارج، بل يستند إلى بناء الشعب اليمني ونخبه السياسية والإدارية وجيشه بناءً واعياً بثقافة القرآن، وتطوير القدرات، ضمن رؤية تعتبر أن الصمود كخيار وجودي، وفي عالم يموج بالتحولات، قد يكون هذا النموذج أحد أبرز دروس المرحلة: أن فهم عميق لطبيعة المرحلة، وإدراك بأن الصراع مع العدو الصهيوأمريكي لن يُحسم في لحظة، بل يُدار بالنَّفَس الطويل، واليقظة المستمرة، والاستعداد الدائم، يبدأ من الوعي، ويترسخ بالإعداد، ويصمد بإرادة الشعوب.