حين تُقرأ قصة فرعون في ضوء واقع الأُمَّــة اليوم، لا تبدو مُجَـرّد سردٍ تاريخي، بل مرآة تعكس ملامح الصراع القائم بين الاستكبار والاستضعاف؛ فالمشهد يتكرّر بأدوات مختلفة، لكن بالمنطق ذاته: قوة متغطرسة تسعى لإدامة هيمنتها، وشعوب مستهدفة يُراد لها أن تفقد ثقتها بالله وبذاتها.
السيد القائد، في إسقاطه على الواقع المعاصر، يؤكّـد أن ما تواجهه الأُمَّــة اليوم من هيمنة صهيونية مدعومة أمريكيًّا، في السياسة والأمن والاقتصاد والإعلام، لا يخرج عن إطار السنن التي حكمت صراع الحق والباطل عبر التاريخ.
وكما كان فرعون في قمة جبروته حين قرّر قتل أبناء بني إسرائيل، يمارس الطغيان المعاصر أقصى درجات السيطرة السياسية والعسكرية والأمنية؛ من احتلال وحصار وقتل جماعي، وهيمنة اقتصادية، وحروب نفسية، كلها أدوات تهدف إلى تثبيت واقع الهيمنة وإخماد أية روح جهادية ومقاومة.
غير أن القرآن الكريم يكشف حقيقة نفسية مهمة: الطغاة، مهما بدوا أقوياء، يعيشون قلقًا عميقًا؛ فخوفهم من فقدان السيطرة هو ما يدفعهم إلى الإفراط في البطش.
فالإجراءات الاحترازية الظالمة تعكس خوفًا داخليًّا من لحظة الانهيار، وهكذا فإن تضخم آلة القمع في أي عصر هو، في أحد وجوهه، تعبير عن هشاشة داخلية.
كما أن ميزان القوة المادية، رغم أهميته، ليس الميزان الحاسم في حركة التاريخ؛ ففرعون الذي امتلك الجيش والسلطة والمال، سقط على يد طفلٍ أراد قتله.
وهنا تتجلى سنة الله: أن التدبير الإلهي يعمل في عمق الأحداث، وقد يأتي التغيير من حَيثُ لا يتوقع الطغاة.
إن ربط الواقع المعاصر بهذه السنة يمنح الأُمَّــة أفقًا مختلفًا في قراءة الأحداث؛ فمهما بلغت السيطرة الصهيوأمريكية في المجالات السياسية والعسكرية والاستخباراتية، فإنها تبقى ضمن دائرة القدرة الإلهية، ولا يمكن أن تلغي وعد الله بنصرة المستضعفين إذَا استقاموا على منهجه.
وأخطر ما يمكن أن يصيب الأُمَّــة ليس تفوق العدوّ، بل اليأس من إمْكَانية التغيير؛ فحين يصل المستضعفون إلى قناعة أن الواقع قدرٌ لا يُغيَّر، وأن لا أحد يملك التدخل لتبديله، تبدأ الهزيمة الحقيقية.
واليأس قد يدفع إلى أحد مسارين خطيرين: الاستسلام للطاغوت والقبول بواقعه، أَو التخلي عن المسؤولية وترك أسباب القوة.
ومن هنا يصبح الإيمان بالله والتوكل عليه موقفًا عمليًّا يعيد للأُمَّـة ثقتها بذاتها وبسنن ربها.
وهنا لا يختزل الطرح النصر في الدعاء المُجَـرّد، ولا في القوة المادية المُجَـرّدة، بل يجمع بين الأمرين: توكل صادق على الله، وعمل جاد وفق سننه.
فالنصر يتحقّق عبر:
الوعي: فهم طبيعة الصراع وأهداف العدوّ.
الثبات: الصمود أمام الضغوط والتحديات.
الإعداد: بناء القوة في مختلف المجالات.
عدم اليأس: الحفاظ على روح الأمل مهما تعقدت الظروف.
وهذا الفهم يعيد تعريف المقاومة؛ باعتبَارها مشروعًا حضاريًّا متكاملًا.
واقع الأُمَّــة اليوم، بما يحمله من أزمات وصراعات، هو ساحة فرصة؛ فكما هيّأ الله لموسى عليه السلام مسارًا من الإعداد والرعاية قبل أن يؤديَ مهمته الكبرى، فإن حركة التاريخ تهيّئ ظروفًا جديدة قد تكون بوابة لتحولات كبرى.
غير أن هذه التحولات لا تصنعها الأمنيات، بل يصنعها وعيٌ يستلهم السنن الإلهية، وإرادَة ترفض الاستسلام، وعملٌ يتكامل فيه البُعد الإيماني مع البُعد العملي.
إن إسقاط قصة فرعون على واقع اليوم ليس تبسيطًا للتاريخ، بل تأكيدًا على أن معادلة الصراع واحدة:
قوة متغطرسة، وأمة مستهدفة، وسُنة إلهية تمضي في الخفاء حتى يحين موعد الفرج.
ويبقى الرهان الحقيقي على أن الخَلاص وعدٌ إلهي مشروط بإيمان الأُمَّــة بربها، ووعيها، وتحملها لمسؤوليتها، وثباتها في طريق الحق، وتمسكها بأسباب القوة، وتوجيه آمالها كلها إلى الله؛ لأن النصر، في نهاية المطاف، ليس صدفة تاريخية، بل نتيجة حتمية لمسار إيماني واعٍ لا يعرف اليأس.