أَعُـوْذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ المُبِين، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ خَاتَمُ النَّبِيِّين.
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، وَبارِكْ عَلى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وَبَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَارضَ اللَّهُمَّ بِرِضَاكَ عَنْ أَصْحَابِهِ الْأَخْيَارِ المُنتَجَبِين، وَعَنْ سَائِرِ عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ وَالمُجَاهِدِين.
الَّلهُمَّ اهْدِنَا، وَتَقَبَّل مِنَّا، إنَّكَ أنتَ السَّمِيعُ العَلِيم، وَتُبْ عَليَنَا، إنَّكَ أنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمْ.
أَيُّهَـــــا الإِخْـــــــوَةُ وَالأَخَـــــــوَات:
السَّــــــلَامُ عَلَيْكُـــمْ وَرَحْمَـــــةُ اللَّهِ وَبَـرَكَاتُـــــهُ؛؛؛
في محاضــرة الأمــس، كان الحديث في آخرها على ضوء الآية القرآنية المباركة، في قصة نبي الله موسى "عَلَيْهِ السَّلَام"، في الآيات القرآنية المباركة من (سورة القصص)، على ضوء قول الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى": {فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}[القصص:13].
تحدثنا كيف كانت رعاية الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، كما بيَّنه الله لنا في الآية المباركة، لأم موسى في حالتها النفسية؛ فتبدلت حالة القلق والاضطراب النفسي لديها إلى حالة السرور، وحالة الحزن كذلك: من حزنٍ، إلى ارتياحٍ، وسرورٍ، واطمئنان؛ ولكن مع ذلك أيضاً رعايةٌ مهمةٌ جدًّا لها، تتعلَّق بإيمانها، كما في البداية، حينما قال: {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}[القصص:10]، نجد أيضاً كيف استمرَّت هذه الرعاية، بأن يثبِّتها الله ويحفظ لها إيمانها.
وهذا من أهمِّ جوانب الرعاية الإلهية ومجالاتها: أن يوفِّقك الله، ويثبِّتك الله، في مراحل خطرة، وظروف حسَّاسة، وضغوط نفسية خطيرة؛ لأن من الضغوط النفسية، والأوضاع التي يواجهها الإنسان، والظروف التي يعيشها في بعض المراحل، في حالات تحديات وصعوبات، ما يشكِّل خطورةً على إيمانه، وتأتي رعاية الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى":
- في الربط على القلوب.
- وفي نزول السكينة على الإنسان.
- وفي التثبيت على الإيمان.
جانب من أهمِّ الرعاية الإلهية، تأتي هذه الرعاية العظيمة في مرحلة حسَّاسة، وفي ظروف خطرة جدًّا على الإنسان.
والإنسان لو خسر إيمانه؛ فهي الخسارة الكبرى، التي لا يعوِّضها الحصول على أيِّ مكسبٍ معنويٍ أو ماديٍ آخر، يكون ثمنه: أن يخسر الإنسان إيمانه، قضية خطيرة جدًّا على الإنسان.
فالرعاية لها في: أن يحفظ الله لها إيمانها، وأن يثبتها، وأن يربط على قلبها بما يساعدها على ذلك، هي من أعظم الرعاية الإلهية، التي يمنُّ الله بها على عباده المؤمنين، بما في ذلك المؤمنات أيضاً، {لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}[القصص:10]، عنوان يشمل (المؤمنين، والمؤمنات).
هنا يقول: {وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ}[القصص:13]، الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" وعدها وعداً عظيماً ومهماً، وقال لها: {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ}[القصص:7]، فكان من ثمرة أن يتحقَّق لها هذا الوعد الإلهي- وبطريقة حتَّى مبكِّرة، بطريقة مبكِّرة، قبل أن تتضرَّر أكثر، وتتأثر أكثر- بالحفاظ على إيمانها بتحقَّق وعد الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، وأنَّه حقٌّ، ولا يتخلَّف أبداً.
ثم كان ختام الآية المباركة، ليلفت نظرنا إلى هذه الحقيقة المهمة، وكيف يجهلها أكثر الناس، سواءً في ذلك العصر، أو ما بعده، على مرِّ الأجيال، وفي عصرنا أيضاً، حتَّى في واقع الأُمَّة الإسلامية، هو شيءٌ مؤسفٌ جدًّا، حينما قال الله: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}[القصص:13]، لا يعلمون بهذه الحقيقة، موقفهم وحالتهم تجاه هذه الحقيقة إلى درجة الجهل بها، وليس فقط ضعف الإيمان بها، أو انعدام الإيمان، بل الجهل تماماً؛ لأن أكثر الناس ينظرون إلى الأمور النظرة السطحية، وإلى الأوضاع بموازين مادية بحتة، فحينما يشاهدون ما عليه قوى الطاغوت الظالمة، المستكبرة، المجرمة، من: قوةٍ عسكريةٍ واقتصاديةٍ، وسيطرةٍ سياسيةٍ مستحكمة، ومع ذلك قوَّتها الإعلامية، بما فيها من دعايات، من حربٍ نفسيةٍ شرسةٍ جدًّا... وغير ذلك، فبنظرتهم تلك يصلون إلى حالة يأس، وهذه حالة غريبة جدًّا؛ لأن فيها كما ذكرنا:
- نقص في مجال معرفة الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، ونقص خطير؛ وبالتالي نقص في الإيمان.
- وأيضاً جهل بسنن الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، جهل بأحداث التاريخ.
على مرِّ التاريخ، كانت هناك امبراطوريات، وقوى مستكبرة، ظالمة، متمكِّنة جدًّا، تمتلك قوَّةً عسكريةً ضاربة، وإمكانات اقتصادية هائلة، ونفوذاً، وسيطرةً على المستوى السياسي، والإعلامي، والاجتماعي، ومع ذلك، بظلمها، وجبروتها، وطغيانها، وإفسادها، وتوظيفها كل إمكاناتها في الصدِّ عن سبيل الله، في المحاربة للحق والعدل، في الاضطهاد للناس، في ممارسة الظلم بأبشع أنواعه وأشكاله؛ انهارت؛ بينما كان الناس في زمنها، وفي ذروة سيطرتها، يتصوَّرون أنَّ من المستحيل أن تسقط تلك الدولة، أو تلك الإمبراطورية، أو تلك المملكة، أو ذلك الكيان، بحسب اختلاف المسميات.
واستمرت الحالة، يعني مثلاً: حتَّى في مراحل تاريخية قريبة من عصرنا، مثلاً: في أيام بريطانيا، عندما كانت إمبراطوريةً- كما يقولون- لا تغيب عنها الشمس؛ لكثرة ما سيطرت عليه من البلدان في مختلف القارات، كان البعض يتصوَّر أنَّ تلك الحالة ستبقى إلى نهاية التاريخ، وإلى آخر الحياة على الأرض، وانتهى ذلك.
الدروس التاريخية فيها العبرة للناس، والحقائق المهمة، التي يجب أن تترسَّخ لدينا، هي ذات أهمية لنا في مواقفنا، في إيماننا، في حياتنا، لها تأثير حتَّى في مدى استجابة الناس لله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى".
تحدثنا حول الوعد الإلهي بنماذج مما ورد في القرآن الكريم، وهو وحيٌ من الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، ووعدٌ مؤكَّد في كتابه الكريم، وذكرنا كيف واقع المسلمين بشكلٍ عام- في الأغلب- تجاه تلك الوعود، التي وعد الله بها في القرآن الكريم، فالكثير يجهلونها، أو يتصوَّر الكثير من الناس أنها لزمنٍ مضى وانقضى، وكأنها مثل المعلبات الغذائية، التي لها تاريخ انتهاء في صلاحيتها، يكتبون عليها: [صالحة لمدَّة عامين من تاريخ الإنتاج، أو ثلاثة أعوام، أو تنتهي في تاريخ كذا وكذا]، كأنَّ تلك الوعود التي في القرآن الكريم:
- ومنها قول الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى": {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}[محمد:7].
- ومنها أيضاً ما يتعلَّق بالصراع مع العدو الإسرائيلي اليهودي الصهيوني، الآيات القرآنية المباركة في أول (سورة الإسراء) آيات واضحة، بيِّنة، وبيَّنت سنَّةً ثابتة من سنن الله تعالى، فيما يتعلَّق بعتوِّهم، وعلوِّهم، واستكبارهم، وإفسادهم في الأرض، حينما قال الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" في ختام تلك الآيات المباركة: {وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا}[الإسراء:8].
{وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا}، سُنَّة ثابتة مستمرَّة، كلما عادوا إلى علوِّهم، واستكبارهم في الأرض، وطغيانهم، وإفسادهم الشامل؛ فالله سيعود أيضاً بالتَّسليط عليهم، بتدبيره الذي يقوِّض كيانهم ونفوذهم، ويسقط ما هم عليه من القوَّة والعتوّ والعلوّ، ويسقطهم، وينهي ما هم عليه من ذلك.
فهذا الوعد الحق، الذي يجب الإيمان به بيقين، ومن ثمَّ العمل على أساس ذلك، في الاستجابة لله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، في التَّحَرُّك بشكلٍ صحيح لمواجهتهم.
الحالة معهم حالة غير قابلة للتعايش أبداً، وما تقوم به الأنظمة العربية- في معظمها- من مساعٍ لفرض توجُّهها الخاطئ، تحت عنوان: السلام معهم، وتحت عنوان: العلاقات والتطبيع معهم؛ إنما تزيد في ظلم هذه الشعوب أكثر فأكثر، وكذلك تمكِّنهم من تحقيق أهدافهم في ظلم هذه الأُمَّة، في اضطهادها، في ارتكاب أبشع الجرائم بحقها؛ فتكون الكلفة كبيرة جدًّا حتَّى يأتي وقت الرحيل والزوال بالنسبة لهم.
زوالهم محتوم، من الحتميات القرآنية، محتوم بيقين، ولكن الكلفة ستكون كبيرةً جدًّا، مع التأخير لزوالهم، في ظل هذا التَّوجُّه الأعمى للحكومات والأنظمة، وفي ظل انقياد الشعوب لها في إطار موقفها ذلك، يعني: ما بين حتمية زوال العدو الإسرائيلي، وطغيانه، وجبروته، وعُتُوِّه، واحتلاله لفلسطين والمقدَّسات، وإلى حين يتحقَّق هذا الزوال، للموقف علاقة بمسألة أن يتحقَّق هذا الوعد في وقتٍ مبكِّر، أو أن يتأخر، وتكون الأثمان كبيرة جدًّا، والنتائج خطيرة جدًّا؛ فتقليل المدَّة، وتقليل الأثمان، أو تطويل المدَّة، وتعظيم الأثمان؛ يتعلَّق كل هذا بموقف الأُمَّة، بموقف الأُمَّة.
والأثمان التي نتحدث عنها، يعني: أن يقتل الكثير والكثير من أبناء هذه الأُمَّة، من شعوب هذه الأُمَّة؛ من أطفالها، ونسائها، ورجالها، بأبشع الجرائم التي يرتكبها العدو اليهودي، الصهيوني، المستكبر، المفسد في الأرض، الطاغي، المتجبِّر، وكذلك مختلف الجرائم التي يمارسها تجاه هذه الأُمَّة، أن تخسر الأُمَّة الكثير من أوطانها، من ثرواتها، أن تخسر من كرامتها، من حُرِّيَّتها، من مقدَّساتها، من دينها، وتصل في نهاية المطاف إلى يأسٍ من جدوائية المسار الخاطئ المنحرف، المخالف لكتاب الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، الذي يخدم الأعداء فحسب، ولا يوفِّر للأُمَّة أي نتيجةٍ لحمايتها، وحماية حقوقها المشروعة، ولسلامتها من شرِّ ذلك العدو، وهذا الشيء هو المؤسف.
ولهذا علينا- كشعوب مسلمة، وأمةٍ مسلمة- أن نعيد تصحيح علاقتنا مع القرآن الكريم، ومع حقائقه، أن نؤمن بها أنها حقائق بكل ما تعنيه الكلمة، وأن ننظر من خلالها إلى الواقع.
عندما نتأمل في الواقع، ليس غامضاً، العدو الإسرائيلي بما يصرِّح به في العلن، من نواياه العدوانية التوسعية، في السيطرة على رقعة جغرافية واسعة في هذه الأُمَّة، وكذلك في تركيزه على أن يكون مسيطراً على الوضع في المنطقة بشكلٍ عام، ومتحكِّماً في كلِّ المجالات: السياسية، والاقتصادية... وعلى كلِّ المستويات، في عدائه للإسلام، للقرآن، للرسول "صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ"، للمقدَّسات، لمبادئ الإسلام، هو عدوٌ صريح وواضحٌ في كل ذلك.
كذلك فيما يتعلَّق بثقافته، بتلموده، بما يقدِّمه في مدارسه، في جامعاته، في أبحاثه، في نشاطه التثقيفي، هو واضحٌ في مدى عدائه للإسلام والمسلمين، ومع ذلك، الممارسات الإجرامية التي هي في أبشع ما يمكن أن يتصوَّره إنسان، ما فعله في قطاع غزَّة على مدى عامين كاملين، وهو لا يزال مستمراً في جرائمه تجاه الشعب الفلسطيني، بكل أنواعها، وبأبشع الأشكال.
العدو الإسرائيلي يتفاخر الآن بأنه يمتلك أكبر بنك للجلود في العالم، بنك طبي للجلود، ومن أين؟ من جلود الشعب الفلسطيني، وصل به الحال مع القتل، والإبادة الجماعية للأطفال والنساء، والكبار والصغار، أنَّه أيضاً يقوم بسرقة أعضائهم: القلوب، الأكباد، الرئة، الكلى... وغير ذلك، ثم أيضاً حتَّى من جلودهم.
هذا المستوى من الطغيان، من الاستباحة، من الإجرام، وما يصرِّح به سواءً من هم في مقام قادة للعدو الإسرائيليين، من قادته المجرمين، بمسمَّى وزراء، أو من لهم مواقع دينية (حاخامات)، ومن لهم مراكز اجتماعية واقتصادية، وهم يصرِّحون بكل وضوح عن معتقدهم، الذي هو موجودٌ في التلمود، موجودٌ أيضاً في نصوصهم المحرَّفة، موجودٌ في ثقافتهم العامة، في أنهم لا يعتبرون العرب من البشر، ولا يعتبرون المسلمين من البشر، ولا يعتبرون غيرهم من البشر، يعتبرون أنفسهم البشر الحقيقيين، والبقية حيوانات بأشكال آدمية، يحملون تجاهها أشد الحقد، وأكبر وأعظم الاحتقار، وأسوأ مستوى يمكن أن نتخيَّله من الاحتقار، وهم يحملون نفوساً خبيثة، يعني: نفسياتهم فاسدة، حاقدة، لا تحمل ولا ذرةً من المشاعر الإنسانية؛ ولذلك الحالة العدوانية لديهم، مع الأحقاد والأطماع، هي حالة رهيبة جدًّا، فوق مستوى التَّخَيُّل، وهم يحملون أشد العداء لهذه الأُمَّة، مع خبث شديد، مع تجرُّد من كلِّ القيم الإنسانية.
ما يفعلونه تجاه الشعب اللبناني، والاستهداف المستمر لحزب الله في لبنان؛ لأنهم يريدون أن يصلوا بوضع لبنان إلى أن يجرِّدوه من كلِّ وسائل القوة والحماية، ثمَّ بالتالي ماذا؟ ثمَّ بالتالي يحققون أهدافهم المعلنة، الصريحة، الواضحة بالسيطرة عليه، وليس الاهتمام بالسلام معه، والكف عن توجيه أي أذى للشعب اللبناني، كما يتصوَّر الواهمون، والأغبياء، والمغفَّلون، وهكذا هو الحال بالنسبة لبقية المنطقة العربية والعالم الإسلامي بشكلٍ عام، هم أعداء واضحون وصريحون.
وسلوكهم في الإفساد في الأرض، في الطغيان، لن يتغير، لا باتفاقيات، والواقع يثبت ذلك، كم هي اتِّفاقيات السلطة الفلسطينية معهم؟ وما الذي يفعلونه الآن في الضِّفَّة؟ وهل البيانات بالإدانة والشجب: [إدانة أربعة عشرة دولة عربيةٍ، بيان صادر لإدانة ضم الضِّفَّة]، هل سيفيد شيئاً للشعب الفلسطيني؟ أو: [بيان مشترك مع دول أوروبية]، بيانات لا تسمن ولا تغني من جوع، ليس لها أي قيمة، ولا أهمية، ولا أثر، ويقابلها أنهم يقدِّمون للعدو الإسرائيلي ما هو أكثر؛ يقدِّمون للشعب الفلسطيني بيانات لرفع العتب، ويقدِّمون للعدو الإسرائيلي المال، يوطِّدون معه العلاقات على كل المستويات، فكيف يمكن أن تمثِّل تلك البيانات- التي هي لرفع العتب أمام الشعوب- أي قيمة لديه، أو أهمية، أو عامل ضغط... أو غير ذلك من الاعتبارات؟!
عموماً، أُمَّتنا الإسلامية تواجه خطراً كبيراً، وتدفع ثمناً باهظاً في قضايا مصيرية، عواقبها وخيمة، وتأثيراتها خطيرةٌ وكبيرة؛ لأنها تجهل هذه الحقيقة: حقيقة {أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ}[القصص:13]، عليها أن تعود إلى الإيمان بوعد الله الحق، وأن تتحرَّك وفق ذلك، بأمل، وثقة بالله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، ووعي، وبصيرة من خلال القرآن الكريم، والواقع الواضح، والأحداث التي هي أحداث يومية، ومع ذلك: تأخذ بالأسباب العملية، تأخذ بالأسباب العملية، لابدَّ من الأخذ بالأسباب العملية، فهذه مسألة مهمة جدًّا.
{وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}[القصص:13]، وهذا شيء مؤسف، أن يكون أكثر أبناء أُمَّتنا الإسلامية يجهلون هذه الحقيقة، بالرغم من القرآن الكريم، من الأحداث التاريخية، من الوقائع الواضحة، والأحداث اليومية، هذا شيءٌ مؤسف.
عودةً إلى الآيات المباركة، فيما يتعلَّق بقصة نبي الله موسى "عَلَيْهِ السَّلَام": {فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ}[القصص:13]، وبعد أن ردَّه الله إلى أُمِّه، معنى ذلك: أن يحظى بالنشأة الآمنة، والتربية الصالحة، في إطار الإعداد الإلهي.
الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" تولَّى رعايته، وإعداده، وتهيئته لمهمته العظيمة والكبرى والمقدَّسة، كما قال "جَلَّ شَأنُهُ": {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي}[طه:39]، ونشأ موسى "عَلَيْهِ السَّلَام" وعاش مرحلة طفولته بعد أن ردَّه الله إلى أُمَّه بأمان وحماية؛ فيما آل فرعون وجلاوزتهم يقتلون الأطفال ذبحاً؛ كي يمنعوا قدوم هذا المولود.
وتهيأت لموسى "عَلَيْهِ السَّلَام" مع النشأة الآمنة، أن ينشأ بِعِزَّة، وبمنأى من حالة الإذلال والقهر الذي يحطِّم النفسية، ويترك أثره النفسي، بحيث لا تتأثر نفسيته بالحالة السائدة، فيما عليه الفئة المستضعفة- آنذاك- من حالة إذلال شديد، وقهر شديد جدًّا، وحالة استعباد ساحق، فهو كان بمنأى عن التأثر بمثل تلك الوضعية والظروف، وفي نفس الوقت يدرك الواقع من حوله، ويشعر بمظلومية المستضعفين.
ولذلك هو كان ما بين وضعيتين، لم يتأثر بأيٍّ منهما؛ لأن الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" تولَّى رعايته، وتولَّى الإعداد له، والتهيئة لمهمته العظيمة:
- كان ما بين وضعية الطغيان الفرعوني، والاستكبار الظالم، والإجرام، والسياسات التي يمارسها فرعون وجنوده، وهامان وزيره، وما فيها أيضاً من بطر، واستكبار، وطغيان، وإفساد... وما إلى ذلك.
- ووضعية أخرى: هي وضعية الفئة المستضعفة، التي هي وضعية قهر، وإذلال، واستعباد، وكل أشكال الاستعباد والاضطهاد.
فلم يتأثر لا بوضعية الطغيان والاستكبار، مع أنَّه في إطار تلك الرعاية التي هو فيها على ارتباط بالقصر في طفولته المبكِّرة، فلم ينشأ مترفاً، بطراً، ولا مبالياً تجاه آلام المستضعفين، ولم يكن متأثراً بالبيئة التي يعاني منها المستضعفون على المستوى النفسي، في حالة العِزَّة، أو في الحالة المعنوية له؛ ولهذا هو حظي برعايةٍ من الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، فنشأ على النقيض تماماً مما عليه الفراعنة، فكان محسناً، رحيماً بالمستضعفين، وكان يسعى إلى تحقيق العدل والحق باستطاعته، يعني: هو نشأ وهو يحظى بتلك الرعاية من جهة الفراعنة والقصر الفرعوني، والاهتمام الكبير من امرأة فرعون، التي كانت تعتبره بمنزلة ابن، تهتم به اهتمام الأم بابنها، ولكن في أحضان أُمِّه، وفي رعاية أسرته.
وهو في هذه النشأة كيف كان ينظر إلى الآخرين وإلى نفسه؟ هل كان يقول مثلاً: [الحمد لله أنا في هذا القصر في وضعٍ آمن، والآخرون يقتَّلون]، ولا يبالي بهم، ولا يكترث لحالهم؟ بل كان يهتم بأمر الآخرين، بشأن المستضعفين غاية الاهتمام، يحمل أوجاعهم وآلامهم، وكان لا يرى ذلك النعيم الذي هو فيه، من حيث الجانب المادي، والرعاية المادية، وذلك الأمن الذي هو فيه، وذلك المقام الرفيع الذي هو فيه؛ لأنه حتَّى بالاعتبار المعنوي كربيب للقصر الفرعوني آنذاك، له مقامه الرفيع، كل ذلك: ما هو فيه من الأمن، ما هو فيه من المقام المعنوي الرفيع، ما هو فيه من الرعاية المادية، لا يراه شيئاً أبداً مقابل ما يرى من ظلمٍ للمستضعفين، وما يراه من جبروت فرعون وطغيانه.
ولهذا في نشأته، وفي الإعداد الإلهي له، كان كل اهتمامه منصباً نحو الاهتمام بالمستضعفين، يقول الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى": {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ}[القصص:14]، انتهت مرحلة الطفولة، وتجاوزها في هذه النشأة الآمنة، ولكن- كما قلنا- في ظل الإعداد الإلهي، والتربية الإلهية: {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي}[طه:39]، ووصل إلى مرحلة الشباب، وكمال الشباب، {بَلَغَ أَشُدَّهُ}[القصص:14]، كمال شبابه، وقوَّة شبابه، وتجاوز تماماً مرحلة الطفولة، وكذلك تمام قواه، القوى الذهنية، والفكرية، والنفسية، والروحية... على كل المستويات، وبرشد، ووعي، ونضج فكري، وفهم.
{آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ}[القصص:14]، بلوغ كمال الشباب، والقوى الذهنية والبدنية، وتمام قواه بشكلٍ عام، هو من المؤهلات المهمة له لدوره المهم، وآتاه الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" الحكم والعلم.
وفي آخر الآية يقول: {وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ}[القصص:14]، هنا نجد موسى "عَلَيْهِ السَّلَام" في ما تخبرنا به الآيات القرآنية الكريمة وهو في مرحلة الشباب، قد تجاوز مرحلة الطفولة، وهو في مرحلة الشباب، وفي نفس الوقت ما قبل البعثة بالرسالة، فكيف كان في هذه المرحلة: مرحلة الشباب، وقد تجاوز مرحلة الطفولة بالكامل، وما قبل البعثة بالرسالة؟ هي مرحلة مهمة من حياة موسى "عَلَيْهِ السَّلَام"، نتحدَّث عنها- إن شاء الله- في المحاضرة القادمة.
نَسْألُ اللَّهَ "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" أَنْ يُوَفِّقَنَا وَإِيَّاكُم لِمَا يُرْضِيه عَنَّا، وَأَنْ يَرْحَمَ شُهْدَاءَنَا الأَبْرَار، وَأَنْ يَشْفِيَ جَرْحَانَا، وَأَنْ يُفَرِّجَ عَنْ أَسْرَانَا، وَأَنْ يَنْصُرَنَا بِنَصْرِه، إِنَّهُ سَمِيْعُ الدُّعَاء.
وَالسَّــــــلَامُ عَلَيْكُـــمْ وَرَحْمَـــــةُ اللَّهِ وَبَـرَكَاتُـــــهُ؛؛؛