في لحظة تاريخية مفصلية من تاريخ الأمة، ومع تصاعد حدة المواجهة ضد قوى الاستكبار العالمي، برز اسم آية الله السيد مجتبى خامنئي قائداً جديداً للجمهورية الإسلامية في إيران، ليتجسد بتعيينه استمرارية النهج الثوري الأصيل وتوجه ضربة مدوية لأوهام الكيان الإسرائيلي والإدارة الأمريكية في رهانها الخاسر على إحداث اختراق في بنية النظام الإسلامي في إيران النصر. ويأتي هذا الاختيار، الذي أقره مجلس خبراء القيادة بأغلبية ساحقة وفي ظروف أمنية وسياسية بالغة التعقيد، ليعلن بداية مرحلة جديدة تتسم بالصلابة والوفاء لمبادئ الثورة ولقضايا الأمة، وعلى رأسها القضية المركزية العادلة "فلسطين".
في مشهدٍ يبرهن على صلابة البناء المؤسسي للجمهورية الإسلامية وقدرتها الفائقة على إدارة الأزمات الكبرى، سجلت الأسابيع القليلة الماضية تحولاً تاريخياً حاسماً جرى تحت دوي الانفجارات وصفارات الإنذار. فبينما كانت آلة الحرب الصهيو-أمريكية تراهن على كسر إرادة الدولة وإحداث فراغ في هرم السلطة عبر عدوان غادر استهدف العاصمة طهران في الـ 28 من فبراير المنصرم، جاء الرد الإيراني صاعقاً ومنظماً عبر آليات دستورية ثورية لم تتوقف للحظة واحدة.
في سياق سردي يوثق مرحلة "التحول تحت النار"، يمكن قراءة الأحداث التي شهدتها الجمهورية الإسلامية خلال شهري فبراير ومارس 2026 كملحمة سيادية مكتملة الأركان، بدأت فصولها في الثامن والعشرين من فبراير حين شن العدو الصهيو-أمريكي عدواناً غادراً استهدف طهران، في محاولة بائسة لإحداث فراغ في هرم السلطة وشل حركة الدولة ومؤسساتها الحيوية.
إلا أن الرد المؤسسي جاء حاسماً بكسر أهداف العدوان؛ حيث انطلقت في الفترة ما بين الأول والسابع من مارس جلسات مجلس خبراء القيادة التي عُقدت بأعلى درجات السرية والتقنية الافتراضية، لتثبت للعالم فشل الاستهداف في تعطيل الآليات الدستورية الثورية، وصولاً إلى اللحظة المفصلية في الثامن من مارس حين أُعلن رسمياً عن اختيار آية الله السيد مجتبى خامنئي مرشداً ثالثاً للثورة، وهو الإعلان الذي وأد كافة خطط الفوضى وأكد على رسوخ الاستمرارية.
ولم تكد تمضي ساعات على هذا الإعلان، حتى شهد التاسع من مارس تدفق السيول البشرية في مسيرات مؤيدة مليونية غطت ميادين إيران، لتعلن سقوط كافة الرهانات الصهيونية على انقسام الشارع أو تمرد الشعب الإيراني، وتؤكد التفاف شعب إيران حول قيادتها الجديدة في مواجهة الطغيان، محولةً بذلك محاولات كسر الدولة إلى فجر جديد من الوحدة والصلابة الميدانية.
تؤكد هذه السلسلة من الأحداث المتسارعة أن اختيار السيد مجتبى خامنئي يعكس قراراً سيادياً نابعاً من قلب المعركة، ويؤكد وحدة الصف بين القيادة الثورية، والمؤسسة العسكرية، والقاعدة الشعبية الإيران، وبحسب المراقبين للشأن الإيراني، فإن هذا الانتقال السلس والمحكم للسلطة في ظل القصف والتهديدات يمثل انتصاراً سياسيا يضاف إلى سجل صمود محور المقاومة، ويؤكد أن إيران دخلت مرحلة العدوان وهي أكثر تماسكاً وعزماً على دحر المشاريع التوسعية للكيان الإسرائيلي وحلفائه في المنطقة.
إن هذا الحدث الذي وصفته الدوائر السياسية العالمية بـ "الزلزال" فاق وصفه بالإجراء الدستوري الحاسم والسريع لانتقال السلطة، ليشكل رداً ثورياً مزلزلاً لكل المحاولات البائسة والفاشلة لاغتيال المسار الثوري عبر استهداف قمته القيادية، بل وأثبت النظام الإسلامي قدرة فائقة على تحويل لحظات التحدي الوجودي إلى فرص للتمكين وترسيخ الشرعية الثورية.
ولعل من أهم ركائز الفشل الصهيو-أمريكي في هذه الأزمة هو الرهان الخاسر على ما يسمى بـ "الشارع الإيراني". لقد أنفقت واشنطن و"تل أبيب" مليارات الدولارات في الحرب الناعمة والإعلامية الموجهة لإحداث فجوة بين الشعب والقيادة، وتوهمت أن استشهاد القائد سيطلق شرارة انتفاضة ضد النظام، إلا أن المشاهد للحشود المليونية التي خرجت في طهران ومختلف المدن الإيرانية كانت كفيلة بإخراس كافة الأبواق الإعلامية المأجورة، حيث عبر الإيرانيون عن وعي سياسي عميق، مدركين أن استهداف القيادة هو استهداف لوحدة إيران وسيادتها، وهذا الالتفاف الشعبي لم يكن عاطفياً فحسب، بل كان تعبيراً عن ثقة استراتيجية في قدرة المؤسسات الثورية على حماية الدولة ومكتسباتها، إن سقوط رهانات ترامب والمجرم نتنياهو على الشارع الإيراني يمثل الهزيمة النفسية الأكبر لمشروع الاستكبار، حيث تجلى للعالم أن إيران ليست مجرد مسمى، بل هي حقيقة شعبية نابضة بالحياة.
تتفاقم الأزمة داخل الولايات المتحدة والكيان الصهيوني نتيجة الحماقة التي ارتكبها ترامب ونتنياهو، ففي الداخل الأمريكي، بدأ صوت المعارضة يرتفع بشكل غير مسبوق؛ حيث وصفت النائبة "رشيدة طليب" الحرب بأنها "أوهام عنيفة لنخبة سياسية تريد الحفاظ على الهيمنة بأي ثمن". وهناك تحركات داخل الكونغرس لتفعيل قانون "صلاحيات الحرب" ووقف تمويل هذا العدوان الذي يهدد بجر العالم إلى حرب عالمية ثالثة.
أما في الداخل الصهيوني، فإن الشعور السائد هو "الخوف من المجهول". فنتنياهو الذي وعد الصهاينة بالأمن لم يجلب لهم إلا الصواريخ التي تتساقط فوق رؤوسهم كل يوم، وأصبح الصهاينة يدركون أن قيادتهم قد ورطتهم في مواجهة مع شعب لا يهاب الموت ويقدس الاستشهاد.
في السياق، تناولت كبريات الصحف الأمريكية والإسرائيلية والعالمية اختيار السيد مجتبى الخامنئي بنبرة جمعت بين الذهول والاعتراف بمرارة الإخفاق الاستراتيجي. صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، في تحليلها للحدث، أشارت إلى أن النظام الإيراني اختار "الصلابة على التجريب"، مؤكدة أن مجتبى الخامنئي يمثل الخيار الأكثر تحدياً للمصالح الغربية، وأن آمال واشنطن في رؤية "إيران مهزومة" قد تبخرت. أما صحيفة وول ستريت جورنال، فقد وصفت التعيين بأنه انتصار ساحق لجناح الصقور في حرس الثورة، مشيرة إلى أن هذا التحول ينهي أي فرصة لسياسة "الضغوط القصوى" في تحقيق تنازلات إيرانية.
وفي الجانب الصهيوني، عكست صحيفة هآرتس حالة من الرعب الوجودي، معتبرة أن اختيار مرشد شاب (57 عاماً) يمتلك خبرة ميدانية وعلاقات وثيقة مع جبهات المقاومة في لبنان وفلسطين واليمن، يعني أن الكيان سيواجه مرحلة جديدة من الردع المتصاعد الذي لا يمكن احتواؤه. بينما ذهبت صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" العبرية إلى أبعد من ذلك، حيث وصفت الحدث بأنه "كابوس نتنياهو الأكبر"، لأن المرشد الجديد هو مهندس استراتيجية "وحدة الساحات" التي أثبتت فاعليتها في تآكل القوة الصهيونية. أما صحيفة الغارديان البريطانية فرات أن اختيار مجتبى الخامنئي هو "رسالة تحدٍ" مباشرة لترامب، واصفة إياه بأنه القائد الذي نبت من رحم المؤسسة الأمنية والسياسية الأكثر ثباتاً، مما يجعل الرهان على انهيار الدولة الإيرانية مجرد "أوهام" لا تسندها الحقائق على الأرض.
وفي مسار موازٍ، يتبلور موقف حاسم يقضي برفض التفاوض تحت النار، حيث طُويت صفحة "المفاوضات من أجل التفاوض" لصالح معادلة جديدة تشترط أن يبدأ أي حوار مستقبلي من الاعتراف الكامل بالحقوق السيادية الإيرانية، وتقديم الالتزام بعدم شن أي عدوان على إيران مستقبلا، مع عدم المساس بالبرنامج الصاروخي والاحتفاظ بالبرنامج النووي السلمي.
وبالتالي، يُعد العدوان الهمجي الذي قاده ترامب ونتنياهو باستهداف المنشآت المدنية من مدارس ومستشفيات، وصولاً إلى المعالم التاريخية ذات الرمزية العالية مثل "قصر كلستان" وبازار طهران، تحولاً، دفع نحو ترسيخ حالة الرفض القاطع والمقاومة لكل ما يمثله المحور الصهيو-أمريكي في وجدان الشعوب الإسلامية.
ناهيك عن أن المؤشرات الميدانية والسياسية ترجح إخفاقه في تحقيق خروقات استراتيجية؛ نظراً لاستنفاد واشنطن و"تل أبيب" بنك أهدافهما العسكرية دون نتائج تذكر، في حين لا تزال طهران تحتفظ بقدرة الضربة الثانية التي تمتلك المقومات التقنية والعسكرية لتعطيل البنية التحتية للكيان الإسرائيلي بشكل كامل، مما يضع المنطقة أمام موازين قوى مغايرة لما كانت عليه في السابق.
أما فيما يتصل بمعركة الاستنزاف، فقد ظهرت الفوارق الجيوسياسية بوضوح؛ فبينما تستند إيران إلى عمق جغرافي وبشري هائل يؤهلها لامتصاص الصدمات، يعيش الكيان الصهيوني حالة من الشلل التام، تجلت في نزوح مئات الآلاف من المستوطنين الصهاينة وانهيار القطاعات الإنتاجية تحت وطأة ضربات صواريخ المقاومة التي استهدفت المراكز الحيوية.
وُلد السيد مجتبى خامنئي عام 1969 في مدينة مشهد، ونشأ في كنف والده القائد الشهيد السيد علي خامنئي، حيث تشبع بالروح الجهادية التي تجلت مبكراً بانخراطه في جبهات القتال خلال الحرب المفروضة (الإيرانية-العراقية). وبحسب المصادر ، فقد جمع بين الميدان والمنبر، حيث استكمل دراساته العليا في قم وطهران على أيدي كبار الفقهاء والمراجع، أمثال آيات الله جواد تبريزي وحسين وحيد خراساني، حتى صاغ منظومة فكرية متماسكة جعلت من درسه "البحث الخارج" مقصداً لمئات الطلاب، متجاوزاً في منهجه العلمي التقليد إلى التجديد والنقد المنهجي في علوم الفقه والأصول وعلم الرجال.
ولا تقتصر أبعاد شخصية السيد مجتبى خامنئي على الجانب العلمي الأكاديمي، بل تمتد لتشمل إلماماً عميقاً بالشؤون التنفيذية الكبرى للدولة، حيث تؤكد تفاصيل سيرته الجهادية مساهمته الفاعلة لسنوات في إدارة ملفات سيادية حساسة وقربه الوثيق من دوائر صنع القرار وقادة محور المقاومة، وفي مقدمتهم الشهيدان القائدان السيد حسن نصر الله واللواء قاسم سليماني. هذا الامتداد الميداني والسياسي، مدعوماً برؤية اقتصادية واجتماعية تضع خدمة الفقراء وتعزيز الصمود الشعبي في أولوياتها، جعل منه هدفاً دائماً لمحاولات العداء الصهيو-أمريكي التي سعت للنيل من دوره المحوري في تعزيز قوة إيران الإقليمية.
وبالانتقال إلى الجوانب الاستراتيجية والتقنية في رؤية السيد مجتبى خامنئي، يبرز اهتمامه بتمكين الدولة من أدوات العصر الحديث لمواجهة الحصار الخانق الذي تفرضه قوى الاستكبار. فقد عكف لسنوات على عقد جلسات تخصصية مع النخب العلمية لبحث حلول جذرية لقضايا الحكم، مركزاً بشكل أساسي على تحقيق الاستقرار الاقتصادي وضبط أسعار السلع الأساسية وتطوير قطاع الزراعة لضمان السيادة الغذائية، بعيداً عن التبعية للأسواق الخاضعة للهيمنة الغربية.
وتشير التقارير العلمية إلى أن السيد مجتبى يتبنى رؤية طموحة في مجالات التكنولوجيا المتقدمة، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي ودعم المشاريع العلمية الكبرى، معتبراً أن التفوق التقني هو أحد ركائز القوة في معركة الاستقلال الوطني. ومن خلال إشرافه على مؤسسات ومراكز فقهية وعلمية، حرص على دمج الدراسة الأكاديمية بالخدمة الاجتماعية الميدانية، لا سيما في قطاع الإسكان السريع وخدمة الفقراء، مما ساهم في إعداد كوادر ثورية مؤمنة تضع شؤون الناس وتخفيف معاناتهم الناجمة عن العدوان الأمريكي الإسرائيلي المستمر في مقدمة أولوياتها.
هذا التوجه نحو "الحوكمة الذكية" والعدالة الاجتماعية يعزز من تماسك الجبهة الداخلية الإيرانية، ويؤكد أن القيادة الجديدة تمتلك برنامجاً عملياً متكاملاً لا يكتفي بالصمود السياسي والعسكري، بل يمتد لبناء نموذج اقتصادي وتقني عصي على الانكسار أمام كل المؤامرات الاستعمارية.