موقع أنصار الله . تقرير وديع العبسي
شيئاً فشيئاً، وقبل انقشاع دخان الانفجارات وتراب الدمار الكبير في كيان العدو الإسرائيلي، تتضح الرؤية. المستجدات العسكرية والسياسية والاقتصادية تُطبق الخناق أكثر على قادة العمل الإرهابي ضد الجمهورية الإسلامية. ترامب ينهزم وكل "الترهات" التي وزعها على جبهته الإعلامية الغربية والعربية لم تكن إلا هباءً منثوراً. والموالون له انكفأوا إلا من بعض التناولات البائسة التي تحاول ترسيخ فكرة انتصار أمريكي لا ملامح له.
في المقابل حصحص السرد الإيراني، وتبين أن ما كانت تكشف عنه القيادات في الجمهورية، كان يلخص ويعكس الواقع كما هو. لهذا لم يكن مستغرباً أن يتراجع "ترامب" بعد تمدده بتصريحاته، و"حقن" أتباعه بـ"مصل الوهم" ليغرقوا فيها مستندين إلى القناعة "التقليدية" بأن أمريكا قوة لا تقهر.
ترامب -وعبر مبعوثه "ويتكوف"- يطرق باب إيران دبلوماسياً أكثر من مرة، طالباً السلام بتعبير صريح وواضح. حيث حمل المدعو "ويتكوف" رغبة "ترامب" إلى طهران لإنهاء الحرب أو تحديد موعد لذلك على أقل تقدير. إلا أنه في مقابل هذا الانهيار الأمريكي ظل موقف الجمهورية الإسلامية ثابتاً حتى تشذيبه من الغرور والغطرسة، بحيث تصير نهايةُ المواجهة تدشيناً لصفحة جديدة من حضور القوى الدولية، تأخذ أمريكا فيها حجمها الطبيعي، فلا تكون لها خاصيّة التفرد بقيادة العالم.
مصدر سياسي إيراني رفيع أكد أن "المبعوث الأمريكي ويتكوف بعث -بشكل مباشر مرتين- مقترحاً يتعلق بتحديد موعد لوقف القتال". الرد الإيراني لم يأتِ على هوى أمريكا. هنا بدأ شعور المجرم "ترامب" يتعاظم بحجم الورطة التي أقحم نفسه فيها مستنداً إلى غطرسة العظمة "البالية"، والتي عفت عليها المواجهات الأخيرة بعد ملحمة الطوفان الفلسطيني المجيد، فبدأ بالبحث عن وساطات أوروبية إلى طهران، قبل أن تتلاشى مكانة بلاده الدولية. وكانت الخارجية الإيرانية أكدت تلقيها عروضاً لإنهاء الحرب عبر عدة وسطاء، أبرزهم روسيا والصين وفرنسا.
في هذا الوقت كان من الطبيعي أن تواصل الجمهورية الإسلامية تأكيدها بأن "التهور" الأمريكي بشن العملية الإرهابية قد تجاوز كل المحاذير والخطوط الحمراء، بمحاولته تكريس واقع الاستباحة وفعل ما يريد متى ما أراد دون اعتبار لكل العالم بمواثيقه ومبادئه وقوانينه الدولية. وبلغة حازمة أكد رئيس مجلس الشورى في إيران "محمد باقر قاليباف" أن الجمهورية الإسلامية لا تسعى إلى وقف لإطلاق النار. وقال: "ينبغي على المعتدي أن ينال العقاب ويتلقى درساً يردعه عن مهاجمة إيران مجدداً”.
وبنفس القوة جاءت تأكيدات رئيس البرلمان الإيراني ومستشاريّ المرشد الجديد، بعدم رغبة إيران بوقف الحرب قبل معاقبة المعتدين. فيما قال نائب القائد العام للحرس الثوري الإيراني، العميد "علي فدوي" منذ الثلاثاء: "يسعى الرئيس الأمريكي ترامب شخصياً لإعلان وقف إطلاق النار". وتابع: "لو انتصر العدو في الحرب، لما استعان بالعالم أجمع للوساطة وإعلان وقف إطلاق النار".
مطلب التأديب والعقاب هو العنوان الأبرز اليوم في الجمهورية الإسلامية، فالعدو لجأ إلى العدوان بعد أن هيأ له مناخات "غريبة" استهجنتها كل الأوساط السياسية والعسكرية باستثناء "الأتباع"، مستخدماً أسلوب الخديعة، إذ وجّهت واشنطن أنظار العالم إلى مفاوضات جارية مع طهران، لتقوم فجأة بهجومها الجبان على مدرسة "ابتدائية" للطالبات في مدينة ميناب جنوب البلاد. وتجاوزت الأعراف باغتيال قائد الثورة، وقتلت خلال أسبوع ما يقارب من المائتي طفل وطفلة. فضلاً عما تسببت به من إقلاق للأمن الإقليمي، ومن أزمة في الطاقة.
بات الراسخ لدى العالمين بأن سياسة ارتكاب "جريمة" الحرب، ثم طلب وقفها، مسألة اعتادت عليها أمريكا و"إسرائيل"، غير أنها هذه المرة تبدو مختلفة. المراحل احترقت ووقفت عند مستوى الذروة لأداء الجيش الإسلامي وهو ما لا تريد إيران التراجع عنه، خصوصاً وقد صار سيناريو العدوان، الذي ينتهي بطلب المعتدي إنهاء المواجهة، حالة مَرَضية تستدعي علاجها خدمة للبشرية. وعلى ضوء ذلك أكد قاليباف بأن العدو الصهيوني دأب "على تكريس حلقة خبيثة ومتكررة من حرب، ثم مفاوضات، ثم وقف لإطلاق النار، ثم حرب من جديد"، وقال: "سنكسر هذه الحلقة”.
بعد أن كان المجرم ترامب يطلب استسلاماً إيرانياً غير مشروط، بات هو من يعيش هذه الحاجة فعلياً، وبعد أن فرضت إيران معادلة إسلامية في الرد على الباغي ومعاقبته، تعززت قوة كفّة الجيش الإسلامي، فصار صاحبَ الحق في فرض شروطه إذا ما أرادت أمريكا العودة والدخول في مصحة تأهيلية تعيد لها ما أمكن من ماء الوجه. ولم يرَ مراقبون غرابة في اشتراط إيران "رفع العقوبات دون قيد أو شرط، إضافة إلى منحها ضمانات بعدم الاعتداء مجدداً".
وفي حاصل المواجهة ما شكّل هذا الواقع، إذ أوجعت هذه الجولة واشنطن بشكل واضح، وصار عليها التعامل معه خارج العقلية الترامبية، فالآثار لم تكن مادية وحسب، وإنما أيضاً معنوية لجهة ظهورها تائهة في ترتيب الأولويات وتحديد الخيارات، في الوقت الذي يستمر فيه الجيش الإسلامي في القيام بالمهمة التي تأملها كل القوى العالمية. وأطلال قواعد وأصول البنتاجون شاهدة على أن الغطرسة لا تقود إلى أهداف، والقوة وحدها لا تحقق نصراً طالما كانت القضية مفقودة، وكان الهدف غير أخلاقي يقوم على النهب وفرض الهيمنة.
خسرت واشنطن في المواجهة قابليةَ الحياة لقواعدها في العمل بذات الحضور بعد أن تحولت إلى دمار، كما خسرت أكثر من 100 طائرة مسيّرة من طرازات هيرمس، هيرون، أوربيتر، وMQ-9. ناهيك عن انكسار شوكة النزعة لفرض الإرادة نهائياً، كما هو حاصل في موضوع مضيق "هرمز"، الذي ما عاد بمقدورها حتى مرافقة ناقلات النفط للحماية، باعتراف أمريكي.
أمريكا خسرت أيضاً ما كانت تطمح إليه من تحقيق العملية الإرهابية، فالملف النووي أصبحت واشنطن ترى فيه حُجة للتورُّط في ما لا تقوى على تحمله بعد الذي أظهرته إيران من اقتدار، إذ تراجع ترامب عن السيناريو الذي رسمه بشأن إنزال جوي في المواقع النووية الإيرانية، والاكتفاء بالحديث عن "تدمير كل القدرات الإيرانية على تخصيب اليورانيوم". وهو ما يعيد إلى الأذهان إعلانه في حرب الـ 12 يوماً عن تدمير مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب، قبل أن يتبين أن الإعلان لم يكن إلا واحدة من أماني "ترامب" الذي عوض العجز في تحقيقها بإطلاق عنان التصريحات. ويرى خبراء، أن الإعلان الجديد عن تدمير قدرات إيران النووية، ليس أكثر من مسعى "لإغلاق هذا الملف الذي حدده ترامب ضمن الأهداف الرئيسية لحربه الحالية ولم يتم تحقيقه فعلياً".
بالتزامن، أعلن "نتنياهو" عجزهم عن تحقيق هدف إسقاط النظام الإسلامي، وهو الهدف الذي وضعه مع المجرم "ترامب" على رأس أهداف العملية الإرهابية، تاركاً ذلك للشعب الإيراني حسب قوله. فيما قال مصدر أمني إسرائيلي للقناة “12” العبرية الخاصة: “تبدو فرصة الإطاحة بالنظام الإيراني -التي كانت ستدخل كتب التاريخ- أقل واقعية الآن”.
وعلى ذات السياق قالت القناة 13 الخاصة: “يُقرّ المسؤولون الإسرائيليون بأنه لا يوجد في الوقت الراهن ما يضمن إسقاط النظام الإيراني”. وجاء ذلك عقب احتشاد المبايعة من قبل الإيرانيين للمرشد الإيراني الجديد. المشهد لحظتها أثار حفيظة "ترامب" و"نتنياهو" وقد راهنا على إثارة الفوضى وصولاً لتغيير النظام باغتيال مرشد الثورة.
يرى عالم الاجتماع البريطاني البارز، "ديفيد ميلر" أن المشهد الإيراني اليوم يشهد ولادة “الجمهورية الثالثة” التي يقودها نجل آية الله خامنئي بصفته “ثورياً حقيقياً”. ويؤكد "ميلر" أن الالتفاف الشعبي حول القيادة الجديدة يثبت أن صواريخ إيران هي رد فعل استراتيجي لا يحمي المكتسبات الداخلية فحسب، بل يشرع فعلياً في إنهاء السيطرة الاستعمارية التقليدية في المنطقة.