موقع أنصار الله . دراس: أعداد أنس القاضي
الحلقة الثالثة: من الذي يربح من السوق اليمنية؟
تناولت الحلقتان السابقتان جانباً من الخسائر التي ترتبت على اتساع الاعتماد على الاستيراد، سواء من خلال انتقال جزء من النشاط الزراعي إلى الخارج أو من خلال الضغوط التي واجهتها الصناعة والحرف المحلية، غير أن الأموال التي تغادر اليمن لشراء هذه السلع لا تختفي من الدورة الاقتصادية العالمية، بل تتحول في الجهة الأخرى إلى دخول وأرباح واستثمارات وفرص عمل، ومن هنا يبرز السؤال: إذا كانت اليمن تخسر جزءاً من فرصها الإنتاجية بسبب هذا النمط من التجارة القائمة على الاستيراد، فمن الذي يستفيد من السوق اليمنية؟
تكشف بيانات التجارة الخارجية -التي اوردناها في الحلقات السابقة- أن اليمن تستورد سنوياً بمليارات الدولارات سلعاً قادمة من عدد محدود من البلدان التي تتصدر قائمة "الشركاء التجاريين"، وباتت اليمن ترتبط بهم بروابط اقتصادية تبعية، وتأتي الصين في المرتبة الأولى، تليها السعودية والهند وتركيا والإمارات ودول أخرى، ولا تقتصر العلاقة مع هذه الدول بكونها مورداً للسلع، بل لأنها أصبحت الوجهة التي يذهب إليها جزء مهم من الفائض المالي الذي يُفترض أن يتراكم في اليمن؛ فكل حاوية تصل إلى الموانئ اليمنية تحمل معها سلسلة طويلة من الأنشطة الاقتصادية التي جرت خارج البلاد، ابتداءً من المزرعة أو المصنع وانتهاءً بشركات النقل والتأمين والمصارف والخدمات اللوجستية المرتبطة بها. فعندما تستورد اليمن القمح من أمريكا أو روسيا أو الهند أو أستراليا أو غيرها، فإن قيمة هذه الصفقة لا تذهب إلى المُزارع في تلك الدولة وحده، بل تتوزع بين شركات البذور والأسمدة والنقل والتخزين والمطاحن وشبكات التسويق، وعندما تستورد الملابس من الصين أو تركيا فإن الأموال المدفوعة لا تمثل ثمن القماش فقط، بل تشمل أجور العمال وأرباح المصانع والشركات التجارية وسلاسل الإمداد المرتبطة بها، وبذلك تتحول القوة الشرائية للمستهلك اليمني إلى جزء من الطلب الذي يحرك عجلة الإنتاج والتشغيل في اقتصادات أخرى، فيما يُفترض أنَّ توسع النشاط الاستهلاكي في اليمني يُنشط عملية الإنتاج في اليمن ذاتها، ويكون هناك صعود متوازن بين نمو الاستهلاك ونمو الإنتاج.
ولا يقتصر الأمر على السلع الاستهلاكية التي يتناولها أو يستعملها المواطن اليمني بصورة مباشرة وتنتهي قيمتها الاستعمالية في فترة زمنية محدودة، فحتى الواردات ذات القيمة الاستعمالية العالمية المرتبطة بمواد البناء أو المعدات أو المنتجات الصناعية تمر بالآلية نفسها؛ فكل دولار يُنفق على شراء سلعة أجنبية يتحول في النهاية إلى دخل لطرف ما داخل الاقتصاد المنتِج لها، ولهذا تنظر الدول الصناعية والاقتصادات الصاعدة إلى الأسواق الخارجية بوصفها مصدراً مهماً للنمو والتشغيل، لأن اتساع الأسواق يعني اتساع القدرة على بيع المنتجات وزيادة الإنتاج والاستثمار.
ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى السوق اليمنية باعتبارها سوقاً مهمة لعدد من الاقتصادات الإقليمية والدولية؛ فعدد السكان الذي تجاوز الثلاثين مليون نسمة، واتساع الطلب على الغذاء والملابس والمواد الاستهلاكية، جعلا اليمن -على مدى عقود- مستورداً دائماً لمجموعة واسعة من السلع، وقد استفادت الدول المصدرة من هذا الطلب بصورة مستمرة، سواء عبر بيع المنتجات الغذائية أو السلع الصناعية أو المواد الخام المصنعة.
لكن خطورة هذه المسألة لا تتعلق فقط بحجم الأموال التي تغادر اليمن، بل بطبيعة العلاقة الاقتصادية التي تنشأ نتيجة ذلك؛ فحين يبيع بلد ما منتجاته إلى الخارج، فإنه لا يحصل على النقد الأجنبي فقط، بل يحافظ أيضاً على مستويات معينة من التشغيل والاستثمار داخل اقتصاده، وكلما توسعت صادراته ازدادت قدرته على تشغيل المصانع وتطوير التكنولوجيا وتوسيع الإنتاج، أما البلد الذي يقتصر دوره على الاستيراد، فإنه يشارك في تمويل هذه العملية دون أن يحصل على الفوائد نفسها داخل اقتصاده الوطني.
وتكشف التجربة اليمنية جانباً من هذه المفارقة؛ فخلال العقود التي ارتفعت فيها الواردات بمعدلات كبيرة، لم تشهد البلاد نمواً موازياً في القاعدة الصناعية أو الزراعية، وبدلاً من أن يتحول اتساع السوق المحلية إلى قوة تدفع الإنتاج الوطني نحو التوسع، أصبح جزء مهم من هذا الطلب يذهب مباشرة إلى المنتجين في الخارج، وبهذا المعنى لم تكن السوق اليمنية مجرد مستهلك للسلع الأجنبية، بل أصبحت أيضاً مصدراً من مصادر الطلب التي ساعدت على دعم الإنتاج والتشغيل لدول أخرى.
ويظهر ذلك بصورة أوضح إذا قورنت طبيعة الصادرات بطبيعة الواردات؛ فبينما تركزت الصادرات اليمنية حول النفط الخام وبعض المنتجات الأولية، جاءت الواردات في معظمها على شكل سلع غذائية أو صناعية جاهزة ذات قيمة مضافة أعلى. وهذه العلاقة تعني أن جزءاً كبيراً من العمليات الإنتاجية المرتبطة بهذه السلع يجري خارج اليمن، بينما تقتصر مساهمة الاقتصاد المحلي على بيع المواد الخام أو استهلاك المنتجات النهائية.
ومن هنا لا يتعلق السؤال الأساسي بحجم الأرباح التي تحققها الشركات الأجنبية من السوق اليمنية، بل بالكيفية التي يتوزع بها النشاط الاقتصادي بين اليمن ومن تسميهم "شركاءها التجاريين" وطبيعة العلاقة الاقتصادية بين اليمن وهذه الدول؛ فكلما ازداد اعتماد اليمن على السلع الجاهزة القادمة من الخارج، ازدادت حصة الاقتصادات الأخرى من القيمة المضافة والتشغيل والخبرة التقنية المرتبطة بهذه السلع، وفي المقابل يستمر تخلف الإنتاج وضعف الخبرة والتكنولوجيا المرتبطة بهذه السلع، لأن الاستهلاك المحلي لا يُنشِّط فقط الاقتصاد الوطني حين يتم تلبية الحاجات الاستهلاكية من الإنتاج اليمني ذاته، إذ لا يقتصر تأثير الاستهلاك على تنشيط الإنتاج نفسه، بل ينعكس -كما يُفترض- على تطوير عملية الإنتاج كتطوير الآلات والخبرة والقوى العاملة والبحوث والمراكز العلمية المختلفة، وهذا ما خسرناه على الصعيد العلمي التكنولوجي، فلا تقتصر خسارتنا على الصعيد الاقتصادي.
لا تمثل السوق اليمنية مجرد مساحة لاستهلاك السلع المستوردة، بل تمثل أيضاً مصدراً للطلب الذي تستفيد منه اقتصادات أخرى عبر التشغيل والاستثمار والتصنيع، لكن فهم هذه العلاقة يتطلب الانتقال من مستوى التجارة المباشرة إلى مستوى أوسع يتعلق بموقع اليمن داخل الاقتصاد العالمي؛ فالقضية لا تتعلق فقط ببلدان تبيع وبلدان تشتري، بل بنمط اقتصادي تتكرر عناصره عبر الزمن ويعيد إنتاج نفسه جيلاً بعد جيل.
تكشف تجربة اليمن خلال العقود الماضية عن وجود علاقة وثيقة بين ثلاثة عناصر رئيسية: تصدير المواد الخام، واستيراد السلع المصنعة والغذائية، والاعتماد المستمر على مصادر خارجية للحصول على النقد الأجنبي؛ فالقسم الأكبر من الصادرات اليمنية تركز لعقود طويلة في النفط الخام والغاز وبعض المنتجات الأولية الأخرى، بينما تركز القسم الأكبر من الواردات في الغذاء والمنتجات الصناعية ووسائل النقل والسلع الاستهلاكية المختلفة، وقد أدى ذلك إلى نشوء اقتصاد يحصل على موارده الخارجية أساساً من بيع المواد الخام، ثم يستخدم هذه الموارد لشراء جزء كبير من احتياجاته من الخارج.
وفي الظاهر تبدو هذه العملية تبادلاً تجارياً عادياً، لكن آثارها تتجاوز ذلك بكثير. فحين يتركز النشاط الاقتصادي المحلي في استخراج المواد الخام أو تصديرها، بينما تجري عمليات التصنيع والتطوير التكنولوجي والإنتاج الغذائي الواسع في أماكن أخرى، فإن تراكم الخبرة الصناعية ورأس المال والمعرفة التقنية يحدث خارج البلد المنتج للمواد الخام أكثر مما يحدث داخله، ومع مرور الوقت تتسع الفجوة بين الاقتصادات التي تنتج السلع ذات القيمة المضافة المرتفعة كالصين أو اليابان أو ألمانيا، والاقتصادات التي تبيع المواد الأولية أو تعتمد على تصدير مورد واحد أو عدد محدود من الموارد كاليمن أو العراق وغيرها من دول افريقيا شبه المُستعمرة.
وفي الحالة اليمنية ارتبط تمويل الواردات بصورة أساسية بعائدات النفط وتحويلات المغتربين؛ وهذا يعني أن قدرة البلاد على استيراد الغذاء والدواء والمواد الخام الصناعية لم تكن مرتبطة فقط بقدرة الزراعة والصناعة المحلية على الإنتاج، بل أيضاً بأسعار النفط العالمية وحجم التحويلات القادمة من الخارج، وعندما تعرض قطاع النفط لهزات متتالية خلال سنوات الحرب ظهر حجم هذا الاعتماد بصورة أكثر وضوحاً، إذ تراجعت الصادرات النفطية بسرعة بينما ظلت الحاجة إلى الغذاء والسلع المستوردة قائمة.
ومن هنا لا تتجلى التبعية الاقتصادية في وجود واردات مرتفعة فقط، بل في طبيعة العلاقة التي تربط هذه الواردات بمصادر التمويل الخارجي؛ فكلما ازداد الاعتماد على الخارج في الغذاء، ازدادت الحاجة إلى النقد الأجنبي، وكلما ازداد الاعتماد على النقد الأجنبي القادم من النفط أو التحويلات، أصبح الاقتصاد أكثر تأثراً بالتقلبات التي تحدث خارج حدوده، وبذلك تنشأ دائرة متصلة تجعل الأمن الغذائي والإنتاج الصناعي والقدرة الشرائية مرتبطة بعوامل لا يتحكم بها الاقتصاد المحلي بصورة مباشرة.
كما تكشف هذه العلاقة جانباً آخر من المشكلة يتعلق بتوزيع الموارد داخل الاقتصاد نفسه؛ فحين تتدفق عائدات النفط أو التحويلات إلى السوق المحلية، ثم يجري توجيه جزء كبير منها نحو الاستيراد، فإن الطلب المحلي لا يتحول بالضرورة إلى قوة تدفع التوسع الزراعي والصناعي داخل البلاد، بل إن قسماً مهماً من هذا الطلب يتحول إلى طلب على منتجات أجنبية، وبهذا المعنى لا يعمل الاستيراد فقط على تلبية حاجات الاستهلاك، بل يؤثر أيضاً في المسار الذي تتجه إليه الاستثمارات والموارد الاقتصادية.
ولهذا السبب لم يكن اتساع السوق اليمنية خلال العقود الماضية مصحوباً باتساع مماثل في القاعدة الإنتاجية؛ فقد ازداد عدد السكان وارتفع حجم الاستهلاك وتوسعت المدن والأسواق، لكن جزءاً كبيراً من هذا النمو جرى تلبيته عبر الواردات، وكانت النتيجة أن التجارة توسعت بوتيرة أسرع من الصناعة، والاستهلاك توسع بوتيرة أسرع من الإنتاج، بينما بقيت الزراعة والصناعة أقل قدرة على الاستفادة من النمو الذي شهدته السوق المحلية.
ولا يعني ذلك أن اليمن حالة استثنائية، فالكثير من البلدان النامية شهدت أنماطاً مشابهة من العلاقات الاقتصادية خلال مراحل مختلفة من تاريخها، غير أن التجارب التي نجحت في بناء قواعد إنتاجية قوية لم تكتفِ بتوسيع التجارة الخارجية، بل عملت في الوقت نفسه على تطوير الزراعة والصناعة ورفع مساهمة الإنتاج المحلي في تلبية الطلب الداخلي، أما الاقتصادات التي استمرت في تصدير المواد الخام واستيراد القسم الأكبر من السلع المصنعة والغذائية فقد ظلت أكثر عرضة للعجز التجاري والتقلبات الخارجية وضعف التراكم الإنتاجي.
ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى التجارة الخارجية اليمنية بوصفها أكثر من مجرد حركة استيراد وتصدير؛ فهي تكشف موقع الاقتصاد اليمني داخل شبكة أوسع من العلاقات الدولية التي يحصل فيها على الغذاء والسلع المصنعة من الخارج، بينما يوفر في المقابل سوقاً واسعة للمنتجين الأجانب ومصدراً للمواد الخام وبعض الموارد الأولية، وهذه العلاقة لا تنتج عجزاً تجارياً فقط، بل تؤثر أيضاً في اتجاه الاستثمارات وتوزيع فرص العمل ومصادر الدخل داخل الاقتصاد الوطني.
مشكلة الاستيراد لا ترتبط بالتجارة الخارجية بوصفها ظاهرة قائمة بذاتها، بل بالموقع الذي يشغله الاقتصاد اليمني داخل التقسيم الدولي للعمل؛ فحين يتركز التخصص الاقتصادي في تصدير المواد الخام واستيراد الجزء الأكبر من الغذاء والسلع المصنعة، تتراجع قدرة الاقتصاد الوطني على توليد فرص العمل وتراكم الخبرة التقنية وتوسيع قاعدته الإنتاجية.
ومن هذه الزاوية، لا يمكن النظر إلى الاكتفاء الذاتي باعتباره مجرد هدف مرتبط بالأمن الغذائي أو تقليص الواردات، بل بوصفه جزءاً من مشروع أوسع لإعادة توجيه الفائض الاقتصادي نحو تنمية القدرات الإنتاجية المحلية؛ فالقضية الأساسية لا تتمثل في السعي إلى الانغلاق الاقتصادي، وإنما في زيادة مساهمة الزراعة والصناعة الوطنية في تلبية الطلب الداخلي، بما يسمح بتحويل السوق المحلية من مصدر لتغذية الاستيراد إلى رافعة لتوسيع الإنتاج الوطني.
وتشير التجربة التاريخية للبلدان التي نجحت في الانتقال من التبعية إلى التنمية إلى أن هذا التحول لا يتحقق تلقائياً، بل يتطلب دوراً فاعلاً للدولة في التخطيط وتوجيه الاستثمار وحماية القطاعات الإنتاجية الناشئة وتنسيق العلاقة بين الزراعة والصناعة والتجارة الخارجية. فالتنمية ليست حصيلة قرارات فردية متفرقة، وإنما عملية اجتماعية منظمة تستهدف إعادة تشكيل البنية الاقتصادية وقدرتها على إنتاج الثروة داخلياً.
ومن هذا المنطلق، تكتسب الدعوات التي تطرحها الحكومة الوطنية في صنعاء بشأن الاكتفاء الذاتي أهمية استراتيجية تتجاوز بعدها الظرفي المرتبط بالحرب والحصار، لأنها تلامس جوهر الاختلال الذي تشكل عبر عقود طويلة. لكن نجاح هذا التوجه يظل مرتبطاً بقدرته على الانتقال من مستوى الشعار العام إلى مستوى السياسات العملية، من خلال دراسة علمية للبنية الاقتصادية اليمنية، ووضع أولويات إنتاجية واضحة، واعتماد تخطيط مركزي ينسق استخدام الموارد المحدودة، ويقود عملية فك الارتباط التدريجي بمصادر التبعية الخارجية، ضمن مسار تنموي متمحور حول الذات يجعل توسيع القدرات الإنتاجية الوطنية أساساً للنمو والاستقرار الاقتصادي على المدى الطويل.