الإمام زيدٌ "عَلَيْهِ السَّلَامُ" في عطائه العظيم، وتضحياته الكبيرة، لم تَضِع جهوده سُدىً، بل امتد هذا العطاء عبر الأجيال، أرسى مدرسةً لامتداد الحق، تبقى في كل زمن، وستبقى إلى قيام الساعة.
الإمام زيدٌ "عَلَيْهِ السَّلَامُ"، بالرغم مما عاناه من تخاذل الكثير من أبناء الأُمَّة، إلَّا أنه كان مُصَمِّماً، عازماً على القيام بواجبه، والنهوض بمسؤوليته، وكما قال: ((لَو لَم يَخْرُج مَعِي إِلَّا ابنِي يَحْيَى لَقَاتَلْتُهُم))، يعني: يحيى بن زيد، إلى هذه الدرجة من التصميم، والعزم، والثبات، والتفاني في سبيل الله تعالى، وعلى الرغم أيضاً مما واجهه من طغاة بني أُمَيَّة من الظلم، قتلوه، بعد قتله صلبوا جسده لأربع سنوات وهو في حالة الصلب، بعد استشهاده "عَلَيْهِ السَّلَامُ"، بعد أربع سنوات من الصلب قاموا بإحراق جسده حتى حوَّلوه إلى رماد، ثم ذلك الرماد جعلوا جزءاً منه يُذرى في مهبِّ الريح وفي البر، وجزءاً منه يُذرى في النهر... هكذا حاولوا ألَّا يبقى منه شيء، وظنُّوا أنَّهم بذلك يطفئون نهجه، وينهون أثره في الأُمَّة؛ لكنَّهم فشلوا فشلاً تامّاً.
واصل بعده ابنه يحيى- يحيى بن زيدٍ "عَلَيْهِمَا السَّلَامُ"- مساره، وحمل رايته، واستمر في جهاده، واستُشهِد بعد استشهاد أبيه بأربع سنوات، ما بعد ذلك، بعد استشهاد الإمام زيد "عَلَيْهِ السَّلَامُ"، لم يبقَ الطغيان الأُمَوِي، والسلطة الأُمَوِيَّة في سيطرتها على الأُمَّة، وفي حكمها على الأُمَّة، سوى عشر سنوات، وانتهت تماماً وسقطت في ثورة خُراسان العارمة، والتي نادت في شعاراتها بـ: ثارات الإمام الحسين، وثارات الإمام زيد، وثارات الإمام يحيى بن زيد "عَلَيْهِمُ السَّلَامُ"؛ فبقي هذا الأثر الممتد، ليحقِّق في نهاية المطاف النجاح التام:
- في إسقاط الحكم الأُمَوِي الظالم، المتسلط، المفسد، المضلّ، المستعبد لِلأُمَّة من جهة.
- ومن جهةٍ أخرى أيضاً: في امتداد الحق، هذه التضحية، هذا القيام، هذا الجهاد، أعطى للحق دفعاً وامتداداً في أوساط الأُمَّة؛ ليستمر جيلاً بعد جيل.
والأُمَّة اليوم هي أحوج ما تكون إلى أن تحيا بالقرآن الكريم من جديد؛ لتصحيح وضعيتها، نجد كل هذه العناوين الكبرى، في نهضة الإمام زيدٍ "عَلَيْهِ السَّلَامُ"، هي عناوين تحتاج إليها الأُمَّة في هذا العصر، بمقدار حاجتها إليها في ذلك العصر، وأكثر من ذلك، وأكثر من ذلك.
الأُمَّة بحاجة إلى أن تحيا بالقرآن الكريم من جديد؛ لتصحح وضعيتها، ولتشعر بمسؤوليتها، ولتتحرَّك في هذا العصر ضد الطغيان الأمريكي الإسرائيلي، الذي هو خطرٌ على هذه الأُمَّة في منتهى الخطورة:
- خطرٌ في الاستعباد والإذلال لهذه الأُمَّة.
- في الظلم والقهر لهذه الأُمَّة.
- في الإفساد في الأرض، والإفساد لواقع الحياة، والإفساد لهذه الأُمَّة.
- في الاستهداف لمقدَّساتها، وطمس معالم إسلامها.
- في الخطر بكل أشكاله على هذه الأُمَّة: على أوطانها، وحياتها، وأمنها، واستقلالها، وحُرِّيَّتها، وكرامتها... وكل شيءٍ مهمٍ لها.
الخطر الأمريكي الإسرائيلي هو كبيرٌ جدًّا على هذه الأُمَّة، والسبيل الصحيح- بحكم القرآن، وفق آيات القرآن الكريم، وبشهادة الواقع، وبشهادة التاريخ- هو: التَّحَرُّك الجاد على أساسٍ من الاهتداء بالقرآن الكريم، والانطلاقة الإيمانية في سبيل الله تعالى، بالاعتماد على الله، بالثقة به، بالتَّوَكُّل عليه "سُبْحَانَهُ وَتَعَاَلَى"، بالاهتداء بنوره؛ للتَّصَدِّي للخطر الأمريكي والإسرائيلي، في كل هجمته على هذه الأُمَّة:
- في هجمته بالحرب التي تسمَّى بالحرب الناعمة: حرب الإضلال والإفساد.
- وأيضاً في الحرب الصُلبة: حرب العدوان العسكري، والقتل، والتدمير، والإبادة... وغير ذلك.
في واقع هذه الأُمَّة، وتجاه هذا الخطر، تشاهد الأُمَّة جمعاء، ومن يتابع الأحداث، حجم المأساة والمظلومية للشعب الفلسطيني في قطاع غزَّة، كجزءٍ من هذا الخطر، انصب على شعبٍ من أبناء هذه الأُمَّة؛ وإلَّا هو خطرٌ عليها بكلها، خطرٌ يطالها، أضراره قائمةٌ في واقعها، مؤامراته، مخاطره، تأثيراته، قائمةٌ في كل واقع الأُمَّة، وفي كل المجالات، وتعاني منه الأُمَّة معاناةٍ كبيرة، أبصر ذلك من أبصره، وعمي عنه من عمي عنه.
كلمة السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي " يحفظه الله " في ذكرى استشهاد الإمام زيد عليه السلام 1447هـ