موقع أنصار الله . دراسة | إعداد : أنس القاضي 

مقدمة:

شكّلت الزراعة -عبر التاريخ- القاعدة الإنتاجية للاقتصاد اليمني، وارتبطت بها معيشة السكان، وتشكلت حولها أنماط الاستقرار الاجتماعي، والأسواق المحلية، والحرف الريفية، كما خرجت منها أهم الصادرات اليمنية التاريخية، وفي مقدمتها البن. وخلال العقود الأخيرة السابقة للحرب والحصار عام 2015م تحرك هذا القطاع داخل بيئة اقتصادية اتسع فيها الاعتماد على النفط والواردات الغذائية، وتراجع الاستثمار في الأنشطة الإنتاجية، واتجهت الموارد الزراعية نحو استخدامات أكثر ربحية في الأجل القصير، الأمر الذي غيّر مكانة الزراعة في الاقتصاد الوطني، ووسع الفجوة بين قدراتها الإنتاجية واحتياجات المجتمع الغذائية.
وتبرز أهمية القطاع الزراعي من موقعه داخل البنية الاقتصادية، فقد استوعب ما يقارب نصف القوى العاملة، وشكل مصدر الدخل الرئيس في الريف، وارتبط بالأمن الغذائي، والتجارة الخارجية المحدودة لبعض الفواكه المميزة، وفي الوقت نفسه حمل جانباً من أبرز اختلالات الاقتصاد اليمني، من انخفاض إنتاجية الأرض والعمل، واتساع الفجوة الغذائية، وتزايد الاعتماد على الاستيراد، وتراجع مساهمة الأنشطة الإنتاجية في عملية التراكم الاقتصادي.
وتتناول هذه السلسلة من أربع حلقات التحولات التي مر بها القطاع الزراعي عبر أربع مراحل مترابطة؛ تبدأ بقاعدة الإنتاج الزراعي والموارد التي تشكلت عليها الزراعة اليمنية، ثم تنتقل إلى الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي، والفجوة بين الإنتاج المحلي واحتياجات السوق، ثم تعالج التحولات التي أصابت القطاع الزراعي خلال العقود السابقة للعدوان، وانعكاسها على مكانة الزراعة في الاقتصاد الوطني، وصولاً إلى آثار العدوان والحصار على القاعدة الإنتاجية الزراعية، ومحاولات النهوض بالإنتاج المحلي، وقضية الاكتفاء الذاتي، ومتطلبات إعادة بناء قطاع زراعي أكثر قدرة على الإسهام في الأمن الغذائي والتنمية الاقتصادية.
بدأ العدوان عام 2015م في ظل هذه البنية الاقتصادية، فانتقل القطاع الزراعي من مواجهة اختلالات تنموية تراكمت خلال عقود، إلى مواجهة تدمير مباشر طال الموارد، والمنشآت، والأسواق، وسلاسل الإنتاج. أعادت هذه التطورات قضية الأمن الغذائي إلى صدارة الأولويات الاقتصادية، ودفعت إلى تنامي الاهتمام بتوسيع الإنتاج المحلي، بوصفه أحد مرتكزات إعادة بناء الاقتصاد الوطني، وهي عملية ترتبط باستعادة السلام، وتوحيد مؤسسات الدولة، وتعبئة الموارد الوطنية، وإعادة الإعمار، وبناء دولة قادرة على قيادة التنمية وتحقيق العدالة الاجتماعية والشراكة الوطنية.

مدخل الحلقة الأولى

تقوم القدرة الإنتاجية لأي قطاع زراعي على مجموعة من العوامل المترابطة، يأتي في مقدمتها حجم الموارد الطبيعية، وأنماط استغلالها، وطبيعة الحيازات الزراعية، ومستوى الاستثمار، والتنظيم الاقتصادي للإنتاج. ومن تفاعل هذه العناصر تتحدد إنتاجية الأرض والعمل، وأنماط المحاصيل، والقدرة على التوسع في الإنتاج، كما تتشكل الحدود التي يتحرك داخلها القطاع الزراعي في تلبية احتياجات السوق المحلية أو إنتاج فائض للتصدير.
تحرك القطاع الزراعي في اليمن داخل قاعدة إنتاج بُنيت على فرضية "محدودية الأراضي الصالحة للزراعة، وشح الموارد المائية، وتنوع البيئات الطبيعية"، إلى جانب أنماط الملكية الصغيرة، واعتماد جزء كبير من النشاط الزراعي على العمل الأسري والأساليب التقليدية للإنتاج. وفي المقابل، وفرت المدرجات الزراعية، وحصاد مياه الأمطار، والتنوع المناخي، قاعدة مكّنت الزراعة اليمنية من الاستمرار والتكيف مع بيئة طبيعية معقدة، وإنتاج طيف واسع من المحاصيل الغذائية والنقدية.
وتشكل هذه القاعدة نقطة الانطلاق لفهم تطور القطاع الزراعي خلال العقود السابقة للعدوان، إذ ارتبطت بها مستويات الإنتاج، والأمن الغذائي، والاستثمار الزراعي، كما ارتبطت بها التحولات التي شهدها الاقتصاد اليمني لاحقاً. ولهذا تبدأ قراءة الاقتصاد الزراعي من الأرض والمياه، ثم تنتقل إلى الحيازات والبنية الإنتاجية، وصولاً إلى الموارد الزراعية وإمكانات التوسع، بوصفها العناصر التي قامت عليها الزراعة اليمنية قبل العدوان.

قاعدة الإنتاج الزراعي

أولاً قاعدة الإنتاج الزراعي
تشكل الأرض والمياه الأساس المادي للإنتاج الزراعي، ولذلك فإن حدود تطور الزراعة اليمنية ارتبطت بحدود هذين الموردين أكثر من ارتباطها باتساع الطلب أو توافر الأيدي العاملة. وتبلغ مساحة الجمهورية اليمنية نحو 555 ألف كيلومتر مربع، بينما قيل إنه لا تتجاوز الأراضي الصالحة للزراعة نحو 3.6 مليون هكتار (حوالي 36,000 كيلومتر مربع)، وهو ما يمثل تقريبًا 7% من إجمالي مساحة البلاد. المستغل فعلياً من هذه المساحة يقدر بنحو 1.49 مليون هكتار ، أي ما يقارب 3% تقريباً وهو ما يضع اليمن ضمن الدول ذات القاعدة الزراعية المحدودة قياساً بمساحتها الكلية. وقد استغلت الزراعة ما يقارب 94% من هذه الأراضي، الأمر الذي جعل فرص التوسع الأفقي محدودة، وربط أي زيادة مستقبلية في الإنتاج برفع إنتاجية الأرض القائمة أكثر من ارتباطها بإضافة مساحات زراعية جديدة.
وتوزعت الأراضي الزراعية بين الزراعة المطرية والزراعة المروية، حيث بلغت مساحة الأراضي التي تعتمد على الأمطار نحو 695 ألف هكتار ، في مقابل نحو 693 ألف هكتار من الأراضي المروية. ولم يعكس هذا التقارب في المساحة تشابهاً في ظروف الإنتاج، إذ ارتبطت الزراعة المطرية بتقلبات الأمطار الموسمية، بينما اعتمدت الزراعة المروية بصورة متزايدة على استخراج المياه الجوفية والآبار والعيون، وهو ما منحها استقراراً نسبياً في الإنتاج، مقابل ارتفاع كلفة التشغيل واتساع استنزاف المخزون المائي. وأنتج هذا التباين اختلافاً واضحاً في إنتاجية الأراضي، وفي نوعية المحاصيل، وفي توزيع الاستثمارات الزراعية بين المناطق .
ولم تكن محدودية الأراضي الزراعية العامل الوحيد الذي قيد نمو القطاع، بل احتلت المياه موقعاً أكثر حسماً في تشكيل البنية الزراعية. فالزراعة استهلكت النسبة الأكبر من الموارد المائية المتاحة، في وقت شهدت فيه المياه الجوفية تراجعاً متواصلاً نتيجة الضخ المكثف واتساع استخدام الآبار الخاصة، الأمر الذي رفع كلفة الإنتاج، وفرض تفاوتاً بين المناطق الزراعية بحسب قدرتها على الوصول إلى مصادر المياه. كما أدى اختلاف وفرة المياه إلى اختلاف تركيب المحصولات نفسه؛ فالمناطق التي توافرت فيها المياه اتجهت بصورة متزايدة إلى المحاصيل الأعلى ربحية، بينما بقيت الزراعة المطرية أكثر ارتباطاً بإنتاج الحبوب والمحاصيل التقليدية. وهكذا أصبحت العلاقة بين الأرض والمياه أحد المحددات الرئيسة لتوزيع النشاط الزراعي داخل الاقتصاد اليمني، وللقدرة الإنتاجية للقطاع بأكمله.
كما أسهم التباين المناخي واتساع تنوع التضاريس في منح اليمن قاعدة إنتاج زراعي متنوعة، حيث توزعت المحاصيل بين الحبوب والخضروات والفواكه والبن والأعلاف والمحاصيل النقدية، ووفرت المرتفعات والسهول الساحلية والأودية بيئات إنتاج مختلفة مكّنت الزراعة اليمنية من تنويع إنتاجها رغم محدودية الموارد. غير أن هذا التنوع الطبيعي لم يتحول إلى ميزة اقتصادية كاملة، لأن الاستثمار الزراعي ظل أقل من احتياجات القطاع، وبقيت التقنيات الزراعية والإرشاد والبحث العلمي وشبكات التسويق أقل من المستوى الذي يسمح بتحويل هذا التنوع إلى زيادة مستمرة في الإنتاجية والقيمة المضافة. ولهذا دخل القطاع الزراعي السنوات السابقة للعدوان وهو يمتلك قاعدة موارد طبيعية ذات إمكانات كبيرة، تقابلها قدرة محدودة على استثمارها اقتصادياً، الأمر الذي انعكس لاحقاً على الإنتاج الغذائي، والتجارة الزراعية، ومعدلات الاكتفاء الذاتي، وهي القضايا التي تتناولها الفروع التالية من هذا المبحث.

ثانياً: الحيازات والبنية الإنتاجية

لم تتحدد القدرة الإنتاجية للزراعة اليمنية بحجم الموارد الطبيعية وحدها، بل تأثرت أيضاً بطريقة توزيع الأرض وتنظيم استغلالها. فالحيازة الزراعية تمثل وحدة الإنتاج الأساسية في الريف، ومنها يتحدد حجم الاستثمار، ونوع التقنيات المستخدمة، وإنتاجية العمل، والقدرة على إدخال الميكنة الزراعية. ولهذا فإن دراسة البنية الزراعية تقتضي النظر إلى الأرض بوصفها وسيلة إنتاج، وإلى الحيازة بوصفها الإطار الاقتصادي الذي تجري داخله عملية الإنتاج، لا مجرد وحدة لقياس الملكية.
اتسمت الحيازات الزراعية في اليمن بصغر مساحتها وتشتتها، إذ لم يتجاوز متوسط مساحة الحيازة الواحدة هكتاراً واحداً، وتوزعت الملكيات الزراعية بين عدد كبير من الحيازات الصغيرة، الأمر الذي حد من إمكانات استخدام التقنيات الحديثة، ورفع تكاليف الإنتاج، وأضعف الجدوى الاقتصادية للاستثمار الزراعي واسع النطاق. كما أدى تفتت الملكيات نتيجة الميراث وتزايد عدد السكان إلى استمرار تقلص مساحة الحيازة الواحدة عبر الزمن، وهو ما جعل جزءاً كبيراً من الإنتاج الزراعي موجهاً لتلبية احتياجات الأسرة المنتجة، مع بقاء الفائض القابل للتسويق محدوداً في كثير من المناطق الريفية. وانعكس هذا النمط من الحيازات على البنية الإنتاجية للقطاع الزراعي؛ فالمزرعة الصغيرة تعتمد غالباً على العمل الأسري ورأس مال محدود، وتستخدم أدوات إنتاج بسيطة، الأمر الذي يقلل قدرتها على الاستثمار في شبكات الري الحديثة، أو الآلات الزراعية، أو تحسين البذور، أو إدخال التقنيات التي ترفع إنتاجية الأرض والعمل. وفي المقابل، أدى محدودية حجم السوق الزراعية وارتفاع مخاطر الإنتاج وتقلبات الأسعار إلى عزوف جزء من المستثمرين عن توجيه رؤوس الأموال نحو النشاط الزراعي، واتجه الاستثمار الخاص بدرجة أكبر إلى الأنشطة التجارية والخدمية ذات العائد الأسرع والسيولة الأعلى. كما أثرت طبيعة الحيازات في بنية الإنتاج الزراعي نفسها. فقد أدى صغر الملكيات إلى تنوع المحاصيل داخل المزرعة الواحدة بهدف تقليل المخاطر وتأمين احتياجات الأسرة، بدلاً من التخصص في إنتاج سلعة زراعية بعينها. ومن ثم، بقي الإنتاج الزراعي موزعاً بين آلاف الوحدات الصغيرة التي تعمل بصورة مستقلة، دون أن ترتبط فيما بينها بشبكات إنتاج أو تسويق أو تصنيع زراعي قادرة على تحقيق وفورات الحجم أو رفع القيمة المضافة. ونتيجة لذلك ظل القطاع الزراعي أقل قدرة على تكوين سلاسل إنتاج متكاملة تربط بين الزراعة والصناعة الغذائية والأسواق المحلية والخارجية.
وتعكس هذه البنية الإنتاجية حدود التطور الذي بلغه القطاع الزراعي قبل الحرب. فقد توسعت المساحات المزروعة تدريجياً، غير أن إنتاجية وحدة الأرض ظلت منخفضة مقارنة بالمتوسطات العالمية. وتشير البيانات إلى أن متوسط إنتاج الهكتار من الحبوب في اليمن كان يقارب طناً واحداً، بينما تجاوز المتوسط العالمي طنين للهكتار، وهو فارق يعكس محدودية استخدام التقنيات الزراعية الحديثة، وضعف خدمات الإرشاد والبحث العلمي، وعدم كفاية الاستثمار في تحسين الإنتاجية، أكثر مما يعكس نقص الموارد الطبيعية وحدها. ومن ثم، فإن زيادة الإنتاج الزراعي لم تكن تتطلب التوسع في استصلاح الأراضي فحسب، بل كانت ترتبط قبل كل شيء برفع إنتاجية الموارد المتاحة، وتحسين كفاءة استخدامها. كما أسهم ضعف البنية المؤسسية الداعمة للإنتاج الزراعي في الحد من قدرة القطاع على التطور. فقد واجه المزارعون صعوبات مستمرة في الحصول على التمويل، ومدخلات الإنتاج، وخدمات التسويق، والإرشاد الزراعي، والبحوث التطبيقية، في الوقت الذي بقيت فيه الصناعات المرتبطة بالزراعة -مثل الصناعات الغذائية وصناعة المدخلات الزراعية- محدودة الحجم والأثر. ونتيجة لذلك، استمر النشاط الزراعي معتمداً بدرجة كبيرة على الإمكانات الذاتية للمزارعين، بينما ظلت العلاقة بين الزراعة وبقية القطاعات الاقتصادية علاقة ضعيفة، انعكست على انخفاض القيمة المضافة للقطاع وعلى محدودية مساهمته في دفع عملية التحول الاقتصادي.
بهذه البنية، دخل القطاع الزراعي السنوات السابقة للعدوان وهو يعتمد على قاعدة واسعة من المنتجين الصغار، وموارد طبيعية محدودة، واستثمارات متواضعة، وإنتاجية منخفضة، وهي خصائص أثرت بصورة مباشرة في حجم الإنتاج الزراعي، وقدرته على توفير الغذاء للسكان، ومكانته داخل الاقتصاد الوطني، وهي القضايا التي يتناولها المطلب التالي.

ثالثاً: الموارد الزراعية وإمكانات التوسع

لا تقاس قوة القطاع الزراعي بمساحة الأراضي المزروعة وحدها، وإنما بحجم الموارد الطبيعية التي يمكن تحويلها إلى طاقة إنتاجية مستدامة. فالأرض والمياه يمثلان شرطين أساسيين للإنتاج، إلا أن القدرة الزراعية لأي اقتصاد تتحدد أيضاً بتنوع المناخ، والغطاء النباتي، والمراعي، والموارد الوراثية النباتية والحيوانية، ومدى كفاءة استغلال هذه العناصر في زيادة الإنتاج والقيمة المضافة. ومن هذه الزاوية امتلكت اليمن قاعدة موارد زراعية أكثر تنوعاً من كثير من بلدان شبه الجزيرة العربية، غير أن جانباً مهماً من هذه الإمكانات ظل خارج دائرة الاستثمار الاقتصادي أو استُخدم بكفاءة منخفضة.
أتاح التنوع المناخي، الناتج عن اختلاف الارتفاعات والتضاريس، إنتاج طيف واسع من المحاصيل الزراعية. فقد توزعت زراعة الحبوب في المرتفعات والسهول الداخلية، وانتشرت الفواكه والخضروات في المناطق المعتدلة، بينما تركز البن في البيئات الجبلية المناسبة، وازدهرت زراعة المانجو والموز والبابايا في المناطق الساحلية والدافئة، إلى جانب إنتاج العسل الذي ارتبط بالتنوع النباتي وانتشار المراعي الطبيعية. ومنح هذا التنوع القطاع الزراعي قدرة على إنتاج محاصيل غذائية ونقدية متعددة، الأمر الذي وفر أساساً لتنوع مصادر الدخل الزراعي والصادرات غير النفطية، وخفف من مخاطر الاعتماد على محصول واحد أو بيئة إنتاج واحدة.
كما شكلت المراعي والغابات جزءاً من قاعدة الإنتاج الزراعي، إذ بلغت مساحة المراعي نحو 22 مليون هكتار ، بينما قدرت مساحة الغابات والأحراش بنحو 1.5 مليون هكتار ، وهي موارد ارتبطت بالإنتاج الحيواني وتربية النحل والحفاظ على التوازن البيئي. إلا أن الاستفادة الاقتصادية من هذه الموارد بقيت محدودة نتيجة الرعي الجائر، وتراجع الغطاء النباتي، وضعف برامج الإدارة المستدامة للموارد الطبيعية، وهو ما انعكس على إنتاجية الثروة الحيوانية وعلى قدرة الريف على تنويع مصادر دخله الزراعي.
ويمتلك اليمن كذلك ثروة وراثية نباتية ذات أهمية اقتصادية، إذ يضم ما يقارب ثلاثة آلاف نوع نباتي ، كثير منها يتميز بقدرته على التكيف مع البيئات الجافة وشبه الجافة، كما يحتفظ بعدد من الأصناف المحلية التي اكتسبت شهرة تاريخية، وفي مقدمتها البن اليمني. وتمثل هذه الثروة الوراثية رصيداً اقتصادياً يمكن توظيفه في تحسين الإنتاج الزراعي، وتطوير الأصناف المحلية، وتعزيز القدرة التنافسية لبعض المنتجات الزراعية في الأسواق الخارجية، غير أن ضعف البحث العلمي الزراعي ومحدودية برامج التحسين الوراثي قللا من الاستفادة الاقتصادية من هذا التنوع.
ولا تقتصر إمكانات التوسع الزراعي على زيادة المساحات المزروعة، لأن الموارد الأرضية بلغت حدوداً مرتفعة من الاستغلال، بل ترتبط أساساً برفع إنتاجية الموارد المتاحة. فقد بلغ متوسط المساحة المزروعة نحو 94% من إجمالي الأراضي الصالحة للزراعة، وهو ما جعل استصلاح الأراضي الجديدة خياراً محدود الأثر مقارنة بإمكانات تحسين إنتاجية الهكتار الواحد، ورفع كفاءة استخدام المياه، وتطوير البذور، وتوسيع خدمات الإرشاد الزراعي، وتحسين إدارة الموارد الطبيعية. ومن ثم، فإن مستقبل الزراعة اليمنية قبل العدوان كان يعتمد على التوسع الرأسي أكثر من اعتماده على التوسع الأفقي ، أي على زيادة الإنتاج من وحدة الأرض والمياه، لا على زيادة مساحة الأراضي المزروعة. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة عند ربطها بالنمو السكاني. فقد شهد اليمن واحداً من أعلى معدلات النمو السكاني في المنطقة، بينما ظلت الموارد الزراعية تنمو بوتيرة أبطأ كثيراً، الأمر الذي أدى إلى انخفاض نصيب الفرد من الأرض الزراعية ومن المياه، وزاد الضغوط على القطاع الزراعي لتوفير الغذاء وفرص العمل في آن واحد. ولم تكن هذه الفجوة قدراً طبيعياً فرضته محدودية الموارد، بل ارتبطت أيضاً بمستوى الاستثمار الزراعي، وبطبيعة السياسات العامة، وبالقدرة على توظيف الموارد المتاحة بكفاءة أعلى. ولهذا فإن تحليل الإنتاج الزراعي لا ينطلق من حجم الموارد وحدها، وإنما من الكيفية التي استُخدمت بها هذه الموارد، وهي القضية التي تتجلى بصورة أوضح عند دراسة تطور الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي في اليمن.

خاتمة:

أسهمت الموارد الطبيعية، وأنماط الحيازة، والبنية الإنتاجية في رسم حدود القدرة الزراعية للاقتصاد اليمني قبل الحرب، وحددت المجال الذي تحركت داخله عملية الإنتاج لعقود طويلة. وحملت هذه القاعدة عناصر قوة ارتبطت بالتنوع البيئي والخبرة الزراعية المتراكمة، إلى جانب اختلالات حدّت من كفاءة استغلالها، واتصلت بصغر الحيازات، وضعف الاستثمار، وتراجع إنتاجية الأرض والمياه. ومن هذه القاعدة انطلقت عملية الإنتاج الزراعي بكل ما حملته من نتائج على مستوى الأمن الغذائي، وحجم الفجوة بين الإنتاج المحلي واحتياجات السوق، وهي القضية التي تمثل المحور التالي في هذه السلسلة.