لم تعد المواجهة في اليمن تُقاس فقط بما يجري على خطوط التماس البرية، إنّما باتت تمتد إلى البحر والممرات الدولية وإلى عمق مناطق التحشيد العسكري، وهذا ما تعكسه العمليات التي أعلنت عنها القوات المسلحة اليمنية، والتي حملت رسائل عسكرية وسياسية تتجاوز أهدافها المباشرة.

فبحسب ما أورده أمس المتحدث الرسمي للقوات المسلحة اليمنية، العميد يحيى سريع، استهدفت قواتنا المسلحة سفينة لنقل المعدات العسكرية السعودية في منطقة باب المندب، بالتزامن مع استهداف تحشيدات ومخازن أسلحة ومقار قيادة سعودية في منطقتي "المخا ومعسكر تداوين" بمحافظة مأرب، باستخدام عددٍ كبير من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، مع إعلان تحقيق إصابات دقيقة وسقوط قتلى وجرحى.

واللافت في هذه العمليات هو الجمع بين الجبهة البرية والجبهة البحرية في توقيتٍ واحد؛ فاستهداف التحشيدات والمخازن ومراكز القيادة يوجّه رسالة إلى من يخطط للتصعيد على الأرض، بينما يفتح استهداف سفينة "تهامة" التي تحمل معدات عسكرية في باب المندب مستوى آخر من الردع، يجعل طبيعة الهدف العسكري ذات أهمية خاصة في فهم العملية ودلالاتها.

وهُنــا تظهر أهمية الجغرافيا اليمنية؛ إذ لم يعدّ باب المندب مجرد ممر بحري، والمخا مجرد منطقة ساحلية، ومأرب مجرد محافظة بعيدة عن الساحل؛ لكن اجتماع هذه الجغرافيا في سياق العمليات يكشف عن قدرة صنعاء على نقل الضغط إلى أكثر من ساحة، ورفع كلفة أيّة محاولة لتوسيع الحرب.

وإعلان القوات المسلحة اليمنية أنها ستواصل استهداف التحشيدات السعودية التي تسعى إلى التصعيد والسيطرة على اليمن، يعني أن قاعدة الاشتباك، لم تعد تقوم على انتظار الهجوم ثم الرد عليه، وإنّما على محاولة ضرب أدوات التصعيد قبل أن تتحول إلى عمليات واسعة على الأرض.

وهذا النوع من العمليات يضع التحشيدات العسكرية أمام معادلة صعبة، أنه كلما اتسعت الحشود، اتسعت دائرة الاستهداف، كما أن استهداف مخازن الأسلحة ومقار القيادة، يحمل قيمة تتجاوز الخسائر المادية؛ لأنه يستهدف البنية التي تقوم عليها عملية التحشيد وإدارة المعركة، وليس مجرد الوحدات الموجودة في خطوط المواجهة.

وفي الجانب الآخر، جدّدت القوات المسلحة تحذيرها للمخدوعين والمغرر بهم، داعية إياهم إلى مغادرة «مربع العمالة والخيانة» قبل فوات الأوان.

وهذه الرسالة تحمل بعدًا سياسيًا واجتماعيًا إلى جانب بعدها العسكري؛ فالمعركة، في الخطاب الصادر عن صنعاء، ليست مع اليمنيين ككتلة واحدة، وإنّما مع من يشارك في التصعيد العسكري، مع إبقاء باب العودة مفتوحًا أمام من يراجع موقفه.

وبالتالي؛ فالمعادلة اليمنية أثبتت، خلال سنوات العدوان، أن امتلاك السلاح المتطور لا يكفي وحده لحسم معركة أمام طرف يمتلك القدرة على الاستنزاف، والمناورة، وتغيير ساحات الضغط، والعمليات المعلنة السابقة وفي باب المندب والمخا ومأرب، واستهدف مصفاة شركة أرامكو في منطقة جيزان بطائرتين مسيّرة اليوم، تقدم نموذجًا واضحًا عن محاولة صنعاء فرض معادلة ردع تقوم على ربط أيّ تصعيد ميداني بكلفة مباشرة على السعودية التي تقوده وستخسر.

الرسالة الأساسية تبدو واضحة: لا تحشيد بلا ثمن، ولا تصعيد بلا رد، ولا محاولة لفرض معادلة عسكرية من طرف واحد دون أن تتغير خريطة المخاطر.

ويبقى التحدي الحقيقي في قدرة هذه المعادلة على فرض مسار سياسي يوقف التصعيد ويقود إلى معالجة جذور الصراع، لأن استمرار العمليات العسكرية يعني استمرار دفع اليمن والمنطقة نحو جولة جديدة من الاستنزاف.

وفي المحصلة؛ فإن أخطر ما تكشفه هذه التطورات ليس عدد الصواريخ أو الطائرات المسيّرة المستخدمة، وإنما اتساع مساحة الردع اليمني وتعدد ساحاته؛ من مأرب والمخا إلى باب المندب، في رسالة مفادها أن أي محاولة لتغيير قواعد الاشتباك بالقوة قد تفتح أبوابًا جديدة للمواجهة.

ارامكو وباب المندب رسالة، والمخا إنذار، ومأرب عنوانٌ لمعركةٍ تقول صنعاء إنها لن تسمح بأن تُدار من طرف واحد، وحقوق الشعب ستتحقق، والمحتل سيرحل من اليمن، بقوة الله القوي.