موقع أنصار الله . تقرير | وديع العبسي
تواصل السعودية قتل الشعب اليمني عموماً بما فيه أتباعها، مبتدعة في ذلك أكثر من شكل، ومن ينجو من قصف طائراتها عمداً أو ما تسميه بـ "خطأ فني"، تزج به في مغامرات ميدانية انتحارية. وعلى ضوء ذلك يتضح مخطط جر محافظة تعز وأبنائها اليوم إلى محرقة المواجهات كجزء من استراتيجية تعتمد مبدأ إحراق الطاقات اليمنية، سواء في تعز أو باقي المحافظات، لتهيئة المناخات المساعدة على فرض الهيمنة والنفوذ الخارجي على البلد، ومصادرته من يد أبنائه.
والتوتر الحاصل حالياً في بعض مناطق تعز ليس إلا نتاجاً للتحرك السعودي التحشيدي الذي يريد منه العدو تفجير المحافظة بالحديد والنار في محاولة للهروب من استحقاقات معادلة "الحصار بالحصار". ولأن المحاولة تقليدية، فقد وعى اليمنيون غايتها وهدفها المتعارض مع ما يتصوره المخدوعون من مصالح جاء السعودي ليوفرها لهم.
لم يكن مسار العدوان يوماً محكوماً ببوصلة المصلحة الوطنية لليمن أو تلبية تطلعات أبنائه في الأمن والتنمية، بل استُخدم القتل والتدمير وصناعة الأزمات كأداة وظيفتها استنزاف القوى الحية، وتوجيه المعارك وفق المخطط الأشمل الذي يختفي العدو الإسرائيلي في تفاصيله، فيما تتصدر السعودية واجهته، مسخرة كل الإمكانات من أجل تنفيذه. ولأن الإخفاق ظل دائماً ملازماً لكل تحركات السعودية، فإن تحشيدها اليوم في تعز إنما يأتي في سياق السعي لتفريغ شحنات الفشل العسكري والسياسي عبر دفع أبناء المحافظة ليكونوا حطباً لمشاريع لا يملكون قرارها ولا يتشاركون في تحديد أهدافها الاستراتيجية.
والتحشيد الراهن في تعز ومحاولات تسويق الوهم بأنهم على مشارف "معارك حاسمة" ستجلب الاستقرار والنعيم لأبناء المحافظة، إنما يستند إلى منظومة من الوعود الوهمية التي كررها كثيراً في مختلف المناطق المحتلة وأثبتت واقعياً عبر اثني عشر عاماً عدم مصداقيتها.
وبالنظر إلى واقع المناطق الخاضعة لإرادة وقرار التحالف السعودي الأمريكي، يتبين أنها لم تعش الاستقرار المزعوم، وإنما ظلت ساحة مفتوحة للأزمات المستدامة والصراعات البينية والإدارة بالأزمات، إذ انعدمت الخدمات الأساسية، وانهارت القوة الشرائية للعملة الوطنية بشكل غير مسبوق، وغاب الأمن الاجتماعي، ناهيك عن ملف المرتبات الذي تحول إلى أداة ابتزاز سياسي واقتصادي ترتبط جبايته ودفعه بموافقات الرياض، وودائع مشروطة تضمن استمرار التبعية والارتهان.
هذا هو النموذج الذي جلبته السعودية لتلك المناطق، وهنا يصير استمرار الاستغراق في أسطورة النعيم الذي يمكن أن تحققه الرياض لليمن، أو لمحافظة تعز حيث تنشط لدفع أبنائها إلى الانغماس في المخطط، مسألة قد تجلب الكثير من الصدمات لتدخل معها المحافظة في فوضى عارمة.
في لقاء موسع للعلماء والخطباء والمرشدين وشخصيات تربوية واجتماعية تحت عنوان "رفضاً لتحشيدات العدو السعودي وجرائمه بحق الشعب اليمني وتأييداً لمعادلة الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد"، أكد مفتي محافظة تعز العلامة علوي بن عقيل أن الرهان على قوى الهيمنة والاستكبار لن يورث إلا التبعية والخسران. وشدد بن عقيل على أن تاريخ أبناء تعز واليمن عامة متجذر في حمل الرسالة المحمدية ونشر قيم التآخي والتكامل الفكري والديني، وقال إن: "محاولات مسخ هوية المحافظة الثقافية عبر إغراقها في مشاريع الانبطاح الفكري أو التبعية السياسية العمياء، ستتحطم تماماً أمام وعي أبنائها وأصالتهم التاريخية المستمدة من إرث علمائها وجوامعها الجامعة كالمظفر والأشرفية وجامع الجند".

لا يستند التحرك السعودي في تحشيداته على أرضية صلبة تضمن تفاعلاً تلقائياً يصل به إلى تطويع أبناء المحافظة الأبيّة حسب مخططه، وإنما على انتهازية مقيتة تستغل الأوضاع المعيشية الصعبة، والضائقة الاقتصادية التي فرضتها على كل اليمن، للتغرير بالشباب وأبناء القبائل والعائلات في تعز، ودفعهم نحو أتون محرقة جديدة لقاء فتات من المال السياسي أو وعود بمرتبات بالريال السعودي، وهي مرتبات وهمية أو غير مضمونة، وإذا جاءت سرعان ما تتوقف فور انتهاء المأرب العسكري المباشر للرياض.
ويؤكد مراقبون أن هذا السلوك يمثل أعلى درجات الانتهازية السياسية والعسكرية، حيث يُطلب من المواطن أن يخوض معركة قاسية وعبثية، ليدفع ثمنها من دمه وحاضره ومستقبل أبنائه، في حين تظل الجهة الموجهة والممولة -السعودية- بعيدة عن الخسائر المباشرة، في انتظار استثمار النتائج السياسية وتوظيفها. ولعل مراجعة التاريخ القريب تُظهر بشكل واضح حجم الكلفة الباهظة التي دفعها أبناء تعز جراء الثقة بالوعود السعودية التي أمعنت بلا أي رادع طوال ثمانِ سنوات من العدوان المباشر، قبل هدنة خفض التصعيد، في ارتكاب أفدح المجازر بحق المدنيين في هذه المحافظة.
ولن تنسى الذاكرة الوطنية تلك المشاهد المؤلمة التي طالت الأسواق الشعبية، والتجمعات السكنية، والمنازل الآمنة في مختلف مديريات تعز، والتي راحت ضحيتها أسر بكاملها، نساء وأطفالاً وشيوخاً، تحت ذريعة الاستهداف العسكري أو عن طريق ما كان يُسمى بـ "الأخطاء الفنية"، وهي في الواقع جرائم حرب موثقة بتقارير دولية ومحلية مستقلة.
من بين أبرز هذه الفجائع التي شهدتها تعز، مجزرة المخا في يوليو 2015 التي استهدف فيها الطيران السعودي الأمريكي -وقيل "خطأ فني"- المجمعاتِ السكنيةَ لعمال وموظفي محطة توليد الكهرباء، وأدت إلى استشهاد أكثر من 120 مدنياً وجرح العشرات، وتدمير منازلهم على رؤوسهم؛ وهي الجريمة التي وصفتها منظمة "هيومن رايتس ووتش" في تقاريرها الميدانية بأنها جريمة حرب ترقى إلى مستوى الانتهاك الجسيم للقانون الدولي الإنساني نظراً لغياب أي هدف عسكري في منطقة السكن المباشر. ولم تكن هذه المجزرة سوى بداية لسلسلة طويلة من استهداف الأعيان المدنية وتجمعات المواطنين.
كذلك تسجل الذاكرة الوطنية -بمزيد من الأسى- مجزرة سوق شراع في مديرية التعزية في ديسمبر 2017، عندما شن طيران التحالف غارات مكثفة على سوق شعبي مكتظ بالمواطنين والتجار والباعة المتجولين، ما أسفر عن سقوط أكثر من 50 شهيداً وعشرات الجرحى، وحوَّل المكان إلى ركام ودماء، في مشاهد صدمت الضمير الإنساني وأكدت الاستهانة المطلقة بأرواح اليمنيين.
وفي السياق ذاته، كانت مجزرة سوق الهاملي في مديرية موزع في يوليو 2017 شاهدة على طبيعة هذا الاستهداف المباشر لوسائل عيش الناس، حيث قُتل وجُرح العشرات من المدنيين أثناء تسوقهم وتتبعهم لقوت يومهم، دون أي مراعاة لحرمة الدم أو قواعد التمييز والنسبية المفروضة دولياً.
وشهدت مديريات الصلو، ومقبنة، ودمنة خدير غارات متكررة استهدفت منازل المواطنين والسيارات وهي تقل المسافرين والبضائع. ففي مديرية مقبنة، استهدفت الغارات تجمعات سكنية ومزارع ملحقة بحياة المواطنين اليومية، ما أدى إلى إبادة أسر بكاملها، كـ مجازر تجمعات النازحين الذين فروا من لهيب المعارك ليلقوا حتفهم بصواريخ الطيران في المناطق التي يُفترض أنها آمنة. وتكرر المشهد ذاته في الصلو حيث استُهدفت منازل مواطنين آمنين، ما أسفر عن مقتل وإصابة عشرات الأطفال والنساء، وفق ما وثقته مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان في تقاريرها الدورية الصادرة عن فريق الخبراء البارزين المعني باليمن.
ولم تتوقف هذه السلسلة من الجرائم عند ذاك الماضي الحزين، وإنما استمرت إلى اليوم، حيث لم تجف -بعدُ- دماءُ الضحايا المدنيين في مجزرة سوق تعز المركزي التجاري بمفرق ماوية، والتي أسفرت عن استشهاد وإصابة 47 مدنياً (7 شهداء و40 جريحاً) وإلحاق أضرار واسعة بالممتلكات والمحال التجارية.
يؤكد القائم بأعمال المحافظ، أحمد المساوى: "إن هذه الجرائم لن تحقق للعدوان أي أهداف سياسية أو عسكرية، بل تزيد من إصرار أبناء تعز على مواجهة العدوان، والدفاع عن مدينتهم بكافة الوسائل".
لم تكن هذه المجازر والجرائم الموثقة بالتقارير الدولية الميدانية مجرد حوادث عابرة، وإنما تعبيراً صريحاً عن النظرة التي تنظر بها السعودية إلى الإنسان اليمني، حيث أهدرت دمه ودمرت بنيته التحتية ومقدرات حياته، لتأتي اليوم ملوحة بالأوهام والمساعدات المالية المشروطة، مطالبة إياه بالانخراط مجدداً في جولات اقتتال بينيٍّ تهدف إلى إطالة أمد الحرب والمعاناة، وتغذية الانقسام المجتمعي بين أبناء اليمن الواحد.
وبالقياس على هذه الجرائم يمكن إدراك ما يمكن أن يجلبه العدو السعودي الذي لا يعنيه لو قُتل كل اليمنيين في مقابل أن يصل بعدوانه إلى إحكام السيطرة على كل اليمن، والتحكم بها، ونهب خيراتها.
تُظهر تجربة عدن، وحضرموت، وأبين، والضالع، وغيرها من المناطق الخاضعة لسيطرة السعودية، الصورة الحقيقية لمشروع السعودية في اليمن، وهو نموذج صارخ للفوضى الأمنية الممنهجة، وتعدد الفصائل المسلحة، وتغييب مؤسسات الدولة الفاعلة، وإغراق المواطن في دوامة البحث اليومي عن الماء، والكهرباء، والرواتب التي أصبحت أداة للتركيع والابتزاز. لم تشهد تلك المحافظات الاستقرار أو الرفاه الاقتصادي الذي وُعدت به، بل تعيش تحت وطأة التضخم المستمر، وانهيار القيمة الشرائية، وتوقف المشاريع التنموية الاستراتيجية، واحتكار القرار السيادي والمنشآت الحيوية كالموانئ والمطارات والمناطق النفطية، وهو ما يثبت أن الهدف الأساسي لم يكن يوماً تنمية هذه المناطق أو دعم أبنائها، بل تكبيلها وتوظيفها لتحقيق الأجندات الإقليمية.
ويكفي هذا كنموذج واضح يؤكد أن ما تزايد به السعودية ليس إلا طعماً تحاول من خلاله إيقاع اليمنيين في براثن الخدعة، وصولاً إلى توجيههم إلى المسارات التي تريد، وهو ما يحدث اليوم في تعز التي لا تزال إلى اللحظة تعيش واقعاً متأزماً في كل مناحي الحياة وزادت فيها نسبة الفقر، مع ارتفاعات لا تطاق في أسعار المواد الأساسية.
بناءً على ذلك، فإن الانسياق وراء دعوات التحشيد الجديدة في تعز لن ينتج عنه سوى تعميق الشقاق والفرقة بين أبناء الشعب الواحد، وتعميق جراح المحافظة التي عانت الكثير، واستنزاف خيرة شبابها في معارك لا تخدم القضية الوطنية، ولا تحقق أي هدف من أهداف التنمية والاستقرار.
والوعي المطلوب اليوم من كافة القوى الاجتماعية، والأكاديمية، والقبلية، والفكرية في تعز أن يرتقي إلى مستوى التحدي، عبر رفض التحول إلى وقود لمعارك عبثية، والتمسك بالخيار الوطني المستقل الذي يرفض الهيمنة والوصاية الخارجية، ويضع حداً للعبة الاستغلال الانتهازي لدماء اليمنيين ومعاناتهم المعيشية. كما أن معالجة الأوضاع في تعز وفي كافة المحافظات اليمنية لا يمكن أن تأتي عبر استيراد الحلول من الخارج، أو تنفيذ الإملاءات السعودية التي أثبتت التجربة الممتدة طوال اثني عشر عاماً أنها لا تحمل سوى أدوات الدمار والتفكيك.