خلال يومي 7 و8 أكتوبر، لم تكن العمليات العسكرية اليمنية مجرد حلقة جديدة في المواجهة، بل مثّلت انتقالاً نوعياً في مسار الردع فبعد استهداف المنشآت النفطية السعودية في بقيق وخريص ورابغ والرياض، وبعد إيقاف تصدير النفط وضرب السفن الناقلة، دخلت القوات المسلحة اليمنية مرحلة جديدة تمثلت في إغلاق المطارات السعودية، وفي مقدمتها مطار الملك خالد الدولي بالرياض، لتترسخ المعادلة " الحصار بالحصار" فمطار صنعاء المغلق يقابله مطار الرياض المغلق، والأجواء السعودية تتحول إلى منطقة محظورة على شركات الطيران العالمية.

عمليات 7 أكتوبر: ضربات نوعية في العمق السعودي

في ذلك اليوم، استهدفت القوات المسلحة اليمنية مطار الملك خالد في الرياض بعدد من الطائرات المسيرة، ثم عاودت استهدافه بصاروخ باليستي، وكانت الإصابة دقيقة وأدت إلى تعطل حركة الملاحة في المطار. وفي السياق نفسه، نفذت عمليتين عسكريتين استهدفتا مطار أبها الدولي وقاعدة خميس مشيط الجوية بعدد من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، ما أدى إلى تعطل الملاحة في مطار أبها وإلحاق أضرار بقاعدة خميس مشيط. وفي جيزان وعسير، استهدفت القوات المسلحة معسكر الدغارير في جيزان، ومعسكر عاكفة في عسير، ومعسكر الموسم في جيزان، بعدد كبير من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، وخلفت عشرات القتلى والجرحى بينهم جنود وضباط سعوديون، واحتراق عدد من مخازن الأسلحة.

وفي الداخل اليمني، أكد مصدر عسكري استكمال طرد تحشيدات العدو السعودي من مديرية الصلو بمحافظة تعز وتسليم سلاحها ومواقعها للقوات المسلحة اليمنية. كما استهدفت القوة الصاروخية إمدادات عسكرية سعودية وصلت إلى معسكر بدر جوار مطار عدن الدولي، ما أسفر عن مصرع وإصابة عدد من الضباط السعوديين، مع تحذير واضح من استخدام مطار عدن المدني لأي أغراض عسكرية. وأعلن المتحدث الرسمي للقوات المسلحة العميد يحيى سريع أن القوة الصاروخية استهدفت 11 تجمعاً من تحشيدات العدو السعودي خلال 24 ساعة في مناطق جنوبي باب المندب والسقيا ورأس العارة والمضاربة بـ11 صاروخاً بالستياً، كما جرى استهداف السرية التابعة لما يسمى اللواء الثالث عشر عمالقة بصاروخ باليستي بعد أن قامت بدهس الأسرى، ما خلّف أكثر من 30 بين قتيل وجريح. وفي محافظة الجوف، تمكنت القوات المسلحة من إسقاط طائرة استطلاع مسلحة من نوع CH-4 تابعة للعدو السعودي أثناء قيامها بمهام عدائية. وقد اعترف العدو السعودي بتدمير إحدى طائراته ومقتل أحد الطيارين في مطار الملك خالد، فيما أظهرت مواقع تتبع الملاحة الجوية توقف العمليات في المطار للمرة الثالثة، واضطرابات واسعة في مطارات جدة وأبها ونجران وجيزان والدمام.

8 أكتوبر: إغلاق مطار الرياض وتحذير أخير

في اليوم التالي، توسعت العمليات العسكرية اليمنية بشكل لافت. فقد أعلنت القوات المسلحة إسقاط طائرة استطلاع مسلحة من طراز بيرقدار أكنجي تركية الصنع تابعة للعدو السعودي أثناء تنفيذها أعمالاً عدائية في أجواء محافظة تعز. كما استهدفت تجمعات وتحشيدات سعودية في معسكر قعوة بمنطقة رأس العارة بعدد من الصواريخ الباليستية، وتزامن ذلك مع استهداف تجمعات أخرى جنوبي باب المندب ومنطقة السقيا ورأس العارة. وفي العمق السعودي، استهدفت القوات المسلحة مطار الملك خالد في الرياض بصاروخ باليستي ظهراً أصاب هدفه بدقة وعطّل الحركة، ثم عاودت استهدافه مساءً بصاروخين مجنحين، كما استهدفت مطار نجران بصاروخ باليستي، والقاعدة الجوية في خميس مشيط بصاروخ باليستي، وكانت الإصابات دقيقة ومباشرة، وأدت إلى تعطل الملاحة في المطارين وإلحاق أضرار بهما وبالقاعدة الجوية.

وأعلنت القوات المسلحة تحذيرها الأخير لجميع شركات الطيران العالمية من مغبة استمرار تسيير رحلاتها في الأجواء السعودية، باستثناء أجواء المناطق المقدسة في مكة المكرمة والمدينة المنورة، كما حذرت الخبراء والمهندسين والعمال في المنشآت النفطية السعودية من التواجد في الأماكن التي تمثل أهدافاً للقوات. وقد ترجمت هذه التحذيرات إلى واقع سريع: شركة لوفتهانزا الألمانية أوقفت رحلاتها حتى 16 أكتوبر، وإير إنديا وإير إنديا إكسبرس حتى 10 أكتوبر، وكيه إل إم وأير فرانس حتى 24 أكتوبر، وكاثاي باسيفيك حتى 31 يناير 2027، والخطوط الفلبينية حتى 11 أكتوبر على الأقل. ووفق بلومبرغ وسيريوم، أُلغيت نحو 300 رحلة من مطار الملك خالد بالرياض، فيما بلغ عدد الرحلات الملغاة في مطار الرياض 326 رحلة وتأجيل 192 رحلة، وفي جدة 96 إلغاء و199 تأجيل، وفي الدمام 23 إلغاء و71 تأجيل. كما أوصت وكالة سلامة الطيران الأوروبية شركات الطيران بتجنب أجزاء إضافية من المجال الجوي السعودي، وحذرت أمريكا وكندا وبريطانيا والهند رعاياها في السعودية من إغلاق محتمل للمجال الجوي وإلغاء الرحلات ومخاطر أمنية.

حرائق أرامكو وردود الفعل: النفط والطيران في مرمى الضربات

لم تقتصر العمليات على المطارات، بل وثّقت صور الأقمار الصناعية استمرار الحرائق وتصاعد الدخان من منشآت أرامكو في بقيق وخريص ورابغ والرياض. ففي بقيق، رُصدت إشارات حرارية عالية الشدة عبر نظام VIIRS التابع لـ NASA FIRMS، مع سحب كثيفة من الدخان وحرائق غاز في محطة ضخ خط أنابيب الشرق-الغرب ومصفاة بقيق، بقدرة تتجاوز 60 ميغاواط في الموقعين. وفي حقل خريص، استمر تصاعد الدخان منذ ثلاثة أيام دون انقطاع. وفي رابغ، أظهرت صور سنتينل-2 أضراراً في عدة خزانات لتخزين النفط، أحدها دُمِّر بالكامل. كما أظهرت صور جديدة أضراراً في منشأة أرامكو جنوب الرياض، حيث يبدو أحد خزانات الوقود مدمراً مع بقعة داكنة قد تشير إلى تسرب نفطي. وقد أكد السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي أن النيران والحرائق مشتعلة في المنشآت النفطية السعودية ليلاً ونهاراً بفعل الضربات النوعية للقوات المسلحة اليمنية.

بهذا يمكن القول إن اليومين الماضيين شكّلا نقطة تحول مفصلية: فبعد مرحلة استهداف النفط السعودي وإيقاف تصديره، انتقلت القوات المسلحة اليمنية إلى إغلاق المطارات وإسقاط الطائرات المسيرة، وفرضت معادلة جديدة تجعل الأجواء السعودية والمنشآت النفطية في مرمى الضربات، وسط شلل غير مسبوق في حركة الطيران وارتباك دولي واسع.