موقع أنصار الله , تقرير 

بين الثامن والثاني عشر من أكتوبر 2026، تحولت العمليات العسكرية اليمنية على السعودية  إلى منظومة تصعيد واضحة المعالم، استهدفت المطارات والمنشآت النفطية والبنية الاقتصادية، وفرضت نفسها على حركة الطيران العالمية وعلى حسابات الأمن والاستثمار في المملكة. هذه العمليات جاءت ضمن معادلة أعلنتها القوات المسلحة اليمنية تقوم على “المطار بالمطار، والحصار بالحصار، والتصعيد بالتصعيد”، وهو ما ظهر أثره سريعًا في إغلاق عدد من المطارات، وإلغاء مئات الرحلات، وتحذيرات دبلوماسية متلاحقة، وارتفاع أسعار النفط، واهتزاز صورة الرياض كمركز مالي وتجاري آمن.

مسار التصعيد: من تعطيل المطار إلى إغلاقه

بدأت الصورة تتشكل في الثامن من أكتوبر، حين أعلنت القوات المسلحة اليمنية استهداف مطار الملك خالد في الرياض بصاروخ باليستي أصاب هدفه وعطل حركة الملاحة، ثم استهدفته مساءً بصاروخين مجنحين، كما استهدفت مطار نجران بصاروخ باليستي، والقاعدة الجوية في خميس مشيط بصاروخ باليستي، وتزامن ذلك مع حديث مواقع تتبع الطيران عن توقف العمليات في مطار خالد الدولي، وإغلاقه أمام الرحلات، وتصدره قائمة المطارات الأكثر اضطرابًا عالميًا.
وفي التاسع من أكتوبر، ارتفعت وتيرة الإلغاءات، وأوصت وكالة سلامة الطيران الأوروبية شركات الطيران بتجنب أجزاء إضافية من المجال الجوي السعودي، فيما أعلن مركز تنسيق العمليات الإنسانية أن الأجواء السعودية أصبحت مسرحًا لعمليات القوات الصاروخية اليمنية باستثناء مكة والمدينة حتى انتهاء العدوان والحصار. 
أما العاشر من أكتوبر فقد شهد نقلة نوعية، إذ تعرض مطار الملك خالد لهجوم مباشر أصاب صالة المسافرين، ودفع الهيئة العامة للطيران المدني السعودي إلى تعليق العمليات التشغيلية وإجلاء المسافرين، مع تقارير عن إصابة مبنى “الترمينال 3” وارتفاع عدد الرحلات الملغاة إلى 221 رحلة. وفي الحادي عشر من أكتوبر، أعلنت القوات المسلحة اليمنية تنفيذ أربع عمليات نوعية خلال 24 ساعة، استهدفت مطار الملك خالد على ثلاث مراحل، ومحطة شقدم الغازية، ومعمل أرامكو تناجيب النفطي، ومطار الملك فهد بالدمام، إضافة إلى استهداف تحشيدات سعودية في رأس العارة والسقيا، وبلغت الحصيلة في الثاني عشر من أكتوبر أن مطار الرياض سجل إلغاء 99.7% من الرحلات المقررة يوم الأحد، بينما قدرت “فلايت رادار 24” نسبة الإلغاءات بنحو 78%.
وهكذا انتقل التصعيد من تعطيل مؤقت إلى شلل كامل، ومن مطار واحد إلى منظومة مطارات تمتد من الرياض إلى الدمام وأبها ونجران وجيزان.

حركة الطيران: شلل متدرج وتحذيرات دولية

أرقام الإلغاء كانت ترجمة مباشرة لانعدام الثقة في أمن الأجواء السعودية، ففي الثامن من أكتوبر نقلت رويترز عن شركة “سيريوم” إلغاء 49.7% من الرحلات المغادرة من مطار الرياض، فيما قالت فاينانشال تايمز إن أكثر من 100 رحلة ألغيت في الرياض، ونقلت بلومبرغ عن “سيريوم” إلغاء نحو 300 رحلة كان مقررًا إقلاعها أو هبوطها في مطار خالد. وفي التاسع من أكتوبر، ارتفع العدد إلى 335 رحلة ملغاة،  قبل أن يصل في العاشر من أكتوبر إلى 221 رحلة، مع تحويل مسارات عشرات الطائرات وإلغاء أكثر من 1000 رحلة جوية وفق وول ستريت جورنال.
 وتتابعت قرارات شركات الطيران: لوفتهانزا علقت رحلاتها حتى 16 أكتوبر، وإير إنديا وإير إنديا إكسبريس حتى 10 أكتوبر، وكيه إل إم وإير فرانس حتى 24 أكتوبر ثم حتى نهاية الشهر، وكاثاي باسيفيك حتى 31 يناير 2027، وفليبين إيرلاينز حتى 11 أكتوبر. والخطوط الباكستانية علقت رحلاتها إلى الرياض، وفلاي دبي ألغت رحلاتها إلى الرياض وينبع وأبها، والاتحاد للطيران ألغت رحلات أبوظبي–الرياض، والخطوط الكويتية ألغت رحلتين، ومصر للطيران وإيركايرو علقتا رحلاتهما من القاهرة والإسكندرية وسوهاج، والخطوط السريلانكية حتى 18 أكتوبر، وطيران الإمارات حتى الإثنين المقبل، ودلتا إيرلاينز أجلت رحلاتها إلى مارس 2027.
 وإلى جانب ذلك، حذرت الخارجيات الأمريكية والكندية والبريطانية والأسترالية رعاياها من إغلاق محتمل للمجال الجوي وإلغاء الرحلات ومخاطر أمنية، ودعت سفارات واشنطن ولندن وكندا وألمانيا وإسبانيا مواطنيها إلى الابتعاد عن مطار الرياض، فيما نصحت السفارة البريطانية بتجنب السفر إلا للضرورة القصوى إلى جدة والدمام وجميع المطارات باستثناء المدينة المنورة. وتحليلًا، فإن هذا الشلل كان أحد الأهداف المركزية للعمليات، لأنه يضرب في العمق الاقتصادي والنفسي، ويجعل السعودية تبدو وكأنها تفقد السيطرة على أحد أهم مرافقها السيادية.

المنشآت النفطية والاقتصاد: ضرب نقطة الثقل

على الجانب الآخر امتدت العمليات العسكرية اليمنية إلى المنشآت النفطية التي تمثل العمود الفقري للاقتصاد السعودي، وقد وثقت صور الأقمار الاصطناعية حرائق في منشآت أرامكو في بقيق وخريص ورابغ والرياض، مع إشارات حرارية غير معتادة في بقيق، وحرائق كثيفة للغاز في محطة ضخ خط أنابيب “شرق–غرب”، وفي مصفاة ومحطة ضخ بقيق، بقدرة تجاوزت 60 ميغاواط. كما أظهرت صور “سنتينل-2” أضرارًا في خزانات الوقود بمجمع تكرير النفط والبتروكيماويات في رابغ، بما في ذلك خزان دُمّر بالكامل. وبدا أحد خزانات تخزين الوقود في منشأة أرامكو جنوب الرياض مدمرًا مع بقعة داكنة قد تشير إلى تسرب نفطي. 
ولم يكن الأثر اقتصاديًا فقط، بل انعكس مباشرة على الأسواق، إذ ارتفع خام برنت 4% ليصل إلى 104 دولارات و28 سنتًا، والأهم من ذلك أن هذه الضربات دفعت رؤساء شركات إكسون موبيل وتوتال إنرجيز وشل وبي بي إلى الانسحاب من المشاركة في مؤتمر الطاقة بالرياض، وفق فاينانشال تايمز، وهو مؤشر على أن المخاطر الأمنية بدأت تنتقل من دائرة التصريحات إلى قرارات الشركات الكبرى.
وقالت وول ستريت جورنال إن تكاليف الحرب أدت إلى اتساع عجز الموازنة السعودية وتهدد بدفع الاقتصاد إلى الانكماش، وإن مخزونات الصواريخ الاعتراضية السعودية بدأت بالنفاد وفق مسؤولين سعوديين، وإن الزيادة في الإنفاق الدفاعي وتكاليف البنية التحتية تهدد الأموال المخصصة لتنويع الاقتصاد، مع توقف عدد من المشاريع التي أطلقها ولي العهد، والتخلي عن خطط استضافة الألعاب الآسيوية الشتوية لعام 2029. وعلقت الإيكونوميست بأن السعودية لا تملك خيارات جيدة لمواجهة هذه الضربات المؤلمة، وهو ما يعكس حجم الضغط الذي فرضته العمليات على معادلة الأمن والاقتصاد معًا.

معادلة جديدة وتداعيات ممتدة

ما حدث بين 8 و12 أكتوبر 2026 كان بمثابة إعادة تعريف لقواعد الاشتباك، فقد نجحت العمليات اليمنية في تحويل مطار الرياض من رمز للانفتاح والربط العالمي إلى نقطة ضعف معلنة، وفي تحويل الأجواء السعودية من ممر آمن إلى منطقة يوصي خبراء الطيران بتجنبها على جميع الارتفاعات، لكن الأخطر من ذلك هو الأثر الممتد: فمع إلغاء مئات الرحلات، وتحويل المسارات، ونفاد الصواريخ الاعتراضية لدى الرياض، وانسحاب كبار التنفيذيين من مؤتمر الرياض، وتراجع الثقة في أمن المملكة، باتت الرياض تواجه معضلة مزدوجة؛ فالتصعيد العسكري يوسع دائرة الخطر، ووقف التصعيد ترى المملكة أنه مساس بمكانتها. وفي المحصلة، فإن معادلة “الحصار بالحصار” صارت واقعًا يضغط على المطارات والمنشآت النفطية والاقتصاد والاستثمار في المملكة السعودية، ويترك آثارًا يصعب تجاوزها حتى بعد توقف العمليات.