موقع أنصار الله , تقرير | يحيى الشامي
في فلك التاريخ، نادراً ما تخذل الجغرافيا من يستنصر بها، ودائماً تخيب مساعي من يظن أنه يستطيع شراء قدره بصفقات السلاح.
تواصلُ اليوم الصواريخ اليمنية اختراق العمق السعودي لتقوم بدور "المشرط" الجراحي الذي شق جدار الوهم الذي بناه محمد بن سلمان، كاشفةً للعالم أجمع أن "الرؤى الاقتصادية" و"المظلات الأمنية" و"التحالفات الاستراتيجية" لا تصمد أمام حقٍ يُدافع عنه شعبٌ يرفض إلا أن يعيش حراً.
يغوص هذا التقرير في أعماق الأزمة السعودية، مستنداً إلى معطيات ميدانية وتصريحات غربية وصهيونية، ليرصد تدرّج صنعاء في فرض المعادلات اليمنية ومفاعيلها على مختلف الأصعدة، محولةً "المملكة" من واجهة للاستثمار إلى ساحة لابتزاز صريح وشلل شامل.
في مشهدٍ يندرج في باب الفضائح المدوية، أسقطت الأوساط الصهيونية القناع عن وجه من يتشدقون بـ "خدمة الحرمين"، فالقناة الرابعة عشرة العبرية -على لسان مراسل شؤونها الخارجية "بن ينيف"- لم تكتفِ بالترويج لتلقي الرياض مساعدات عسكرية وأمنية ضخمة من "تل أبيب" فحسب، فقد ذهبت لتكشف عن "صفقة" من العيار الثقيل. ترامب نفسه -وبلسان حال نتنياهو- يثمن ما يُقدم لابن سلمان الذي "تتآكل قوته وتتراجع مكانته" في الأشهر الماضية. الثمن لم يكن سياسياً فحسب، فقد تحول إلى "ابتزاز مالي" وقح، حيث يطل الإعلامي الصهيوني "دور كباخ" بواقعيته الفجة: "إذا كانت الرياض تريد مساعدتنا، فعليها أن تدفع الثمن... تريدون قدراتنا وحمايتنا؟ إذن لهذه الشراكة ثمن".
والأدهى والأمرّ، أن باحثين في كيان العدو الصهيوني ومسؤولين سابقين في "الشاباك"، على شاكلة "عنبال راتس" و"فيكتور بن عامي"، يطالبون الرياض بدفع فواتير حروبهم؛ تعويضات عن كل "شيكل" أنفقوه في عدوانهم على غزة ولبنان واليمن وإيران، معتبرين أن السعودية من الدول التي "استفادت من نتائج الحرب"، وهي مفارقة تاريخية تجعل نظامها يواصل عدوانه على اليمن، ليجد نفسه في نهاية المطاف مجبراً على دفع فواتير حروب العدو الإسرائيلي من خزانته، بينما يتفرّج الكيان الصهيوني من منصة "الرابح الأكبر".

وعلى جبهة الاقتصاد، حيث كان يُفترض أن تُقام حفلات التنصيب لـ "رؤية 2030"، حلّ الصمت الثقيل، فمؤتمر "مبادرة مستقبل الاستثمار"، أو ما يُعرف بـ "دافوس الصحراء"، والذي كان يُراد له أن يكون واجهةً تسويقية لجذب مئات المليارات، أُجل قسرياً إلى عام 2027.
وكالة "بلومبرغ" الاقتصادية -وفي قراءةٍ باردة للأرقام- رصدت حجم الكارثة، تأجيل هذا المؤتمر، الذي شهد في 2025 اتفاقيات تفوق 50 مليار دولار، لم يكن مجرد تأجيل إداري، بقدر ما هو "هروب جماعي" للثقة. المخاوف الأمنية تعمقت، ورجال الأعمال الأجانب، الذين كانوا يأتون بحثاً عن الثراء، باتوا يبحثون عن "طرق برية" للمغادرة إلى دول الجوار هرباً من جحيم النيران اليمنية.
مشهد الشلل لم يقتصر على قاعات المؤتمرات، بلغ الملاعب والميادين، حيث أعلن إلغاء "رالي السعودية" في جدة، وتوقف الفعاليات، تأكيداً على أن "الترفيه" و"السياحة" لا يزدهران في ظل ممارسة اليمن حقه في الدفاع ورفع الحصار عنه المستمر لسنوات، ما يؤكد أن تحذيرات القوات المسلحة اليمنية للمستثمرين بعدم الشراكة مع النظام دخلت فعلياً مرحلة ترجمة نفسها على أرض الواقع.

في السماء السعودية، حيث كان يُفترض أن تحلق طموحات "المركز الإقليمي للأعمال"، تطل اليوم مشاهد الشلل. بيانات مؤسسة "سيريام" ترصد رقماً فلكياً يتحدثُ عن إلغاء أكثر من 45% من رحلات المغادرة منذ الثامن من أكتوبر، بينما مطار الرياض (شريان العاصمة النابض) أُغلق لليوم العاشر على التوالي.
لعل العدو السعودي يكتشف متأخراً بأن "القبة الحديدية" التي دفعوا ثمنها بالمال والكرامة، لا تتسع لسماءٍ بأكملها في ظل تقارير غربية متتالية عن أزمة حادة في الصواريخ الاعتراضية والانظمة الدفاعية وعن دخولها مرحلة المفاضلة الإلزامية، في مقابل الحديث عن إرادة يمنية صلبة وخيارات عسكرية متعددة وأهداف سعودية دسمة، تخدمه الجغرافيا الاقتصادية والنفطية التي باتت مكشوفة تماماً أمام المخاطر الأمنية المفروضة يمنياً.
وفي دهاليز الدبلوماسية، تتجلى حالة "الارتباك المزمن". في هذا الإطار تأتي محاولة ترميم العلاقات مع أبوظبي، أو استجداء الدعم من القاهرة، وتعكس حجم العزلة التي يعيشها بن سلمان. القاهرة -التي تتذكر جيداً كيف كانت الرياض "تتفضل" عليها في سنوات العسر- تستجيب اليوم "على مضض"، وتبحث عن مخارج سياسية بعيداً عن مستنقع اليمن، متحاشيةً عتباً ومنة. وكما قال الأعرابي الأول في وصف حال من اشتد عليه الكرب: "وقد نحل الجنبان واحدودب الظهر"، الرياض تحاول أن تبدو قوية، وتطلب النجدة من المشرق والمغرب، لكن الجغرافيا التي ظنت أنها محصنة، باتت مكشوفة. بريطانيا اكتفت بعرض طائرة تزود بالوقود، وفرنسا بحماية منشآت نفطية، بينما تتسارع وتيرة رحيل الاستثمارات وإلغاء المواعيد. ما يعني أن "مساحيق" التجميل الدبلوماسية من أبوظبي أو القاهرة لن تستطيع إخفاء "تخبط" الاستراتيجية، وثبات ودراية الخطوات اليمنية العسكرية، وتناغمها مع الخطوات الدبلوماسية.
مجلة "الإيكونوميست" البريطانية، وفي تحليلها البارد، قامت برصد الأرقام التي يتكبدها العدو السعودي، ومنها غاصت في نفسية صانع القرار السعودي. المجلة نقلت عن مقربين من بن سلمان أن "الخيارات المتاحة جميعها سيئة"، وأن العام الجاري هو "الأسوأ على الإطلاق"، محذرةً من أن استمرار الحرب سيعرقل برنامجه الاقتصادي بالكامل.
المسؤولون في نظام العدو السعودي أنفسهم يعترفون بأن صواريخهم الاعتراضية "محدودة"، وأنهم عرضة لهجمات من عدة اتجاهات. وتخلص "الإيكونوميست" إلى حقيقة جوهرية وهي أن جوهر الدولة السعودية لم يتغير، والرياض لا تزال تدور في فلك واشنطن، تعتمد على الولايات المتحدة كحليف لا غنى عنه. رغم ذلك يبدو التخلي الأمريكي واضحاً، والاستدارة كما لم تحدث من قبل، بينما "الاستقلال" الذي تُروّج له "رؤية 2030" تبقى -في النهاية- مجرد سرابٍ في صحراء السياسة أمام موجات التحديات التي تهب بشكل غير مسبوق.

في المحصلة، تظل الحقيقة التاريخية الأكثر حضوراً هي أنه لا يمكن بناء "مستقبل استثماري" على أنقاض دماء الجوار، ولا يمكن شراء "الأمن" بتطبيعٍ خفيٍ مع العدو، أو بصفقات تسلحٍ عمياء، كما أن العمليات اليمنية في العمق السعودي هي "تصحيح" لمسار التاريخ المعوج منذ زمن
اختارت الرياض الحرب حين كان السلام ممكناً، وها هي اليوم تجني حصاداً مراً يبدأ من اقتصادٍ منهك وعزلة دبلوماسية، وابتزاز صهيوني، وصولاً إلى شلل أمني، وجميعها تؤكد أن وهم "الأمن بالمال" سرعان مايتبخر، لتتجلى أمام العدو السعودي حقيقة أن أمنه المشترى بالصفقات لا يمكن أن يدوم، وأن جاره اليمني أبقى له من كل التحالفات، وأن خياراً مستحقّاً واحداً هو سبيله الوحيد المتبقّي أمامه المتمثل بإنهاء العدوان، والاعتراف بحق الجار في الحياة والكرامة.