مُنذ أن خلق الله الأرض ومن عليها، واستخلف بني آدم عليها، جعل الحياة والموت ابتلاء وامتحان لتمحيص الناس وتمييز الخبيث من الطيب، ومن منهم أحسن عملا، وقد كرم الله كثيرًا من البشر المؤمنين الصادقين في الدنيا والآخرة، من خلال اصطفائهم للجهاد والاستشهاد في سبيله سبحانه وتعالى، وفضلهم الله عن غيرهم، وأعد لهم أجرًا كبيرًا.
وفي الوقت الذي وعد الله فيه عباده بالموت كنهاية حتمية لا مفر منها ولا مناص؛ أختصّ الشهداء بالحياة الأبدية؛ مؤكدًا أن القتل الذي يطالهم ما هو إلا حياة جديدة بدأت من لحظة ارتقائهم ونيلهم فضل الشهادة، ولو تأملنا إلى كتاب الله والآيات التي وردت في الشهداء الذين يقتلون في سبيل الله؛ نجد أن الله -سبحانه وتعالى- ألغى صفة الموت على الشهداء، ناهيك عن أنه -جلّ جلاله- وصفهم بالأحياء، وأكد علينا نحن البشر، ألا نطلق عليهم صفة أموات أو نظن أنهم من عداد الموتى؛ بل إنهم أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله، هذه هي الحقيقة التي يجهلها، أو بالأصح، تغيب عن كثير من الناس، أو حاول الأعداء تغييب معناها الحقيقي عن المسلمين، وذلك بتخويفهم من الموت والقتل، ولكن الشهيد القائد أكدها في دروس معرفة الله، وفصل فيها كثيرًا.
ولو نظرنا إلى الحياة التي أعدها الله لعبادة الشهداء، والكرامة التي سينالونها لن نتمكن نحن البشر من إدراك عظمتها وفضلها ومقدارها، ولن نستطيع أن نتخيلها أبدًا؛ ففي الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر كما ورد في السنة النبوية، فما أعده الله للشهداء أكبر وأعظم وأجمل مما يمكن أن تدركه أبصارنا أو يخطر ببالنا؛ فهنيئا لهم الشهادة والفضل العظيم الذي أختص الله به عباده المؤمنين الصابرين من لهم الحظ والشرف العظيم.
وأمام هذا الفضل الكبير نجد أيضًا أن تضحية الشهداء العظماء فيها حياة أخرى قدموها لمن خلفهم من الأهل والمسلمين والبشر أجمعين، حيث نجد أن الأوطان تحيا بتضحيات الشهداء، ولولاء تلك الدماء الطاهرة ما عاش الناس في أمن وأمان وما تمكنوا من الحياة والعيش وما استطاعوا أن يحموا أطفالهم ونسائهم من بطش الطغاة والمجرمين والإرهابيين الذي يعيثون في الأرض الفساد والإفساد.
فحينما ارتوت الأرض بدماء الشهداء أثمرت حياة وعزة وشموخ وأمن وسعادة، وعندما تشربت الحياة من طُهر الشهداء ووعيهم، تحصنت النفوس والمجتمعات والأجيال من كيد الكائدين وجرم المجرمين، ومن ثقافات أعداء الله والوطن وأعداء الإسلام والمسلمين الإرهابيين الذين سعوا ولازالوا إلى إفساد مجتمعاتنا الإسلامية عبر الثقافات الأبستينية التي روجوا لها، وعبر أدواتهم وأذرعهم الشيطانية لتدجين الأمة وتحييدها وابعادها عن الجهاد في سبيل الله سبحانه وتعالى؛ فالشهادة والشهداء في زماننا وعصرنا قدموا لنا الحياة، وأناروا عقولنا بالوعي والثقافة الإيمانية التي من خلالها عرفنا الله حق معرفة ووثقنا به وتوكلنا عليه وارتبطنا به ارتباطًا حقيقيًا راسخًا، أعادت لنا العزة والكرامة، وضمن لنا التطور والقوة والنصر الذي تلوح راياته في الأفق، هؤلاء هم الشهداء وهذه هي الشهادة.
وما نحن فيه اليوم من انتصارات عظيمة وثبات منقطع النظر أمام العدو السعودي الأمريكي الصهيوني المجرم ما هو ألا بفضل دماء الشهداء الزكية، وتضحياتهم الصادقة التي صنعت متغيرات جديدة، وشكلت موازين القوة في المنطقة والعالم من جديد، وأعلت كلمة الله، ونصرت المستضعفين في أرض الحكمة والإيمان وفي فلسطين والعراق ولبنان وإيران.
وانتصارات اليمن اليوم هي بفضل تلك الدماء الزكية التي تخضبت بها رمال وجبال ووديان وسهول وبحار اليمن العظيمة، وفي الذكرى السنوية للشهداء يؤكد اليمنيون إنهم على درب شهدائهم سائرون، وفي سبيل الله مجاهدون، وعلى الحق ثابتون، حتى يتحقق النصر المبين بإذن الله تعالى؛ فسلام الله على الشهداء أولاً وأخيرًا.