موقع أنصار الله | القول السديد | 

ولهذا يعتبر الدرس من قصة موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ" وفرعون درساً مهماً؛ لأنه يبين لنا حجم الاستضعاف لبني إسرائيل من جهة، وفي مقابل ذلك: حجم الطغيان الرهيب بكل وحشيةٍ وجبروت من جهة فرعون، وكيف كانت قد استحكمت قبضته وسيطرته، في مقابل الحالة من الضعف، والاستسلام، والعجز، التي كان قد وصل إليها بنو إسرائيل، لدرجة أن يتفرَّجوا على أطفالهم الرُّضع حينما يؤخذون ويذبحون، ولا يصدر منهم أي رد فعل تجاه ذلك، يعني: أنهى حالة من الاستضعاف يمكن أن يتصوَّرها الإنسان، في مقابل ذلك نجد ما حدث من متغيرات، من خلال إرادة الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى".

ولهذا علينا أن نعي تجاه واقعنا على المستوى العالمي، والإقليمي، والمحلي: أنَّ من السنن الإلهية الثابتة، المستمرة عبر التاريخ، أنَّ ينقذ الله المستضعفين، وأنَّه لا يترك المجال للطغاة، والمجرمين، والمستكبرين، والظالمين، لكي يتحكَّموا بالناس ويستعبدونهم، ثم لا يحصل من جانب الله أي تدخُّل لإنقاذ المستضعفين، هذا يتنافى مع عزَّة الله وحكمته.

ولكن من المهم للمستضعفين: أن يكونوا مستضعفين واعين، أن يكونوا حريصين على خروجهم من الوضعية التي هم فيها، واليهود الذين هم في هذه المرحلة في ذروة الطغيان والاستكبار، هم يعرفون هذه السنَّة الإلهية الثابتة في إرادة الله لإنقاذ المستضعفين؛ ولذلك هم بالرغم- فيما يتعلَّق بواقع أمتنا الإسلامية- بالرغم من سيطرتهم على حكوماتها، وضمان ولاء معظم الزعماء والحكَّام لهم، وخضوعهم لهم، لم يطمئنوا إلى ذلك، ولم يعتبروه كافياً في السيطرة في على هذه الأمة، فهم يخشون هذه الشعوب، الشعوب التي نجدها وصلت إلى مستوى رهيب من حالة الاستضعاف، والذِّلَّة، والخضوع، وحالة الاستسلام، حالة الاستسلام التي قد أطبقت على معظم هذه الشعوب؛ ولذلك يركِّزون بشكلٍ كبير على مسألة الإفساد للشعوب نفسها، لماذا؟ لأنهم يريدون للشعوب أن تكون قد فسدت، فيكون أولئك المستضعفون غير جديرين بأن يقف الله معهم، يبعدونهم عن الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، يبعدونهم عن أن يكونوا محطَّ رعاية الله ورحمته، يبعدونهم عن أسباب الخلاص والفرج، من خلال ماذا؟ من خلال إفسادهم؛ حتَّى يكونوا في وضعية التسليط الإلهي عليهم، وهذه من الحقائق المهمة جدًّا.

فالشعوب التي هي فيها في حالة استضعاف، والتي يرى فيها الكثير من الناس مبرراً لحالة الاستسلام، ثم يتذرَّع بها، في حالة الخضوع، وعدم الاستجابة لأي تحرُّكٍ جاد، هذه الحالة هي حالة مخيفة لليهود، لماذا؟ لأنهم يعرفون عنها حتَّى تاريخياً، بل عاش أسلافهم أجدادهم في مرحلة من التاريخ، عاشوا مرحلة الاستضعاف تلك في أدنى وأقصى مستوياتها، وعرفوا كيف أمكن أن يكون الخلاص من تلك الوضعية.

ولهذا يأتي في القرآن الكريم الفرز والتبيين لنا في حالات المستضعفين، وفي التصنيف للمستضعفين، وهذا التصنيف القرآني يفرز المستضعفين إلى ثلاثة أصناف:

  • منهم المستضعفين الواعين، المستضعفون الواعون يتميَّزون بأنهم يعون بظروفهم وواقعهم، وهم غير راضين عما هم فيه، وعما يمارسه الطغاة تجاههم من ظلم، وإجرام، واستكبار، ولديهم اتِّجاه إلى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" لتغيير ما هم فيه، فهؤلاء الذين لديهم إرادة التغيير، واتِّجاههم إلى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، وليسوا راضين بالوضعية التي هم فيها، هؤلاء عبَّر عنهم القرآن الكريم حتَّى في قول الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى": {وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا}[النساء:75]، هؤلاء مستضعفون واعون، غير راضين عن الوضعية التي هم فيها، يدركون ما هم فيه من الظلم، والاضطهاد، والقهر، يتوقون للتحرر، يتوجهون إلى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، هؤلاء الذين هم جديرون بأن يفرِّج الله عنهم، جديرون برعاية الله، برحمة الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى".
  • هناك فئة أخرى من المستضعفين، وهم الذين لا يعون واقعهم، ولا يتوقون إلى التغيير لما هم فيه، ولا يتَّجهون إلى الله في ذلك، بل هم في حالة استسلام تام، وجمود، وليس عندهم إرادة للتغيير، ولا توجه إلى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" في إطار ذلك التغيير، وهؤلاء من النماذج التي حكاها الله عنهم في القرآن الكريم، في قول الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى": {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (97) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (98) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا}[النساء:97-99]، هذا النوع أيضاً هو نوع ليس جديراً برحمة الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، حتَّى في الآخرة، يقول عنهم: {فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا}[النساء:97]؛ لأنهم كانوا في حالة قبول بالحالة التي هم فيها، واستسلام، ولم يمتلكوا إرادة التغيير، ولم يأخذوا بأسباب الفرج والخلاص.

أمَّا النوع الثالث: فهم النوع المتَّبع- النوع الثالث من المستضعفين- المتَّبع للطغاة والمستكبرين، والموالي لهم، هؤلاء يدخلون في سنَّة: {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}[الأنعام:129]، وهم من قال عنهم في القرآن الكريم: {وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (47) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ}[غافر:47-

 

المحاضرة الرمضانية الثالثة للسيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي  03 رمضان 1447هـ 20 فبراير 2026م