ميدان العمل أمامنا مفتوح، من يقول: [ماذا نعمل؟]. نقول: ميدان العمل أمامك مفتوحٌ أمام الجميع مفتوح، المطلوب أن تتحرك لا أن تتساءل، ميدان العمل فيه ما يكفيك أن تعمل بكل قدراتك وبكل طاقاتك مهما كانت، ويتساءل [ماذا نعمل؟] وكأنه ليس هناك ما يمكن أن نعمله حتى يقول: ماذا نعمل؟ وكأننا قد أكملنا كل شيء, قد صلح كل شيء.!
ميدان العمل أمامك مفتوح من الآن أن تتحرك على هذا النحو، إذا كنت مؤمناً بالله، إذا كنت واثقاً بالله، إذا كنت واثقاً بكتاب الله، إذا كنت تعتبر هذه آيات, أعلاماً على حقائق واقعة، حقائق لا تتخلف فتحرك وميدان العمل أمامك واسع، حاول أن تجعل من نفسك لبنة في صرح بناءٍ واحد متماسك، حاول أن تجعل من نفسك عنصراً فاعلاً متحركاً في مقام الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في إطار وحدة لمجتمع يسير على خطة واحدة ونهج واحد.
ثم أي شيء من هذا ليس في متناولنا؟ كله في متناولنا، البُعد في أعماق أنفسنا نحن، المستحيل هو في أنفسنا نحن، متى ما غيرناها بلفتةٍ صادقة إلى الله، بالتجاء صادقٍ إلى الله، بثقة قوية بالله، وثقة بكتابه، ونتحرك في إطار الثقلين: الكتاب والعترة، فسيصبح كل شيء بمتناولنا وسنمشي على نهج واحد ونعرف كيف تكون آثاره طيبة، وكيف تكون ثماره طيبة، وآثاره بنّاءة.
من يقول [ماذا نعمل؟]، ليبرر لنفسه أنه لا قيمة لما يقال ولما يدعى إليه، وكأنه يُدعَى إلى المستحيل، يُدعى إلى ما ليس لـه وسيلة في واقع الحياة، ليعرف أنه إنما هو الذي يجهل، إنما هو الذي يتهرب ويبحث عن مبررات لنفسه، ميادين العمل مفتوحة، تتسع لأن تشمل كل طاقاتك، طاقاتك المعنوية وطاقاتك المادية، لكن حاول أن تغير من نفسك حتى تصبح إنساناً فاعلاً قادراً على تغيير نفسية المجتمع بأكمله نحو الأفضل، نحو الأصلح، نحو العزة، نحو الشرف، نحو الاهتداء بهدي الله، نحو طريق الجنة طريق رضوان الله سبحانه وتعالى.
آيات الله التي فيها هداية للناس أليست الدعوة إليها من الدعوة إلى الخير؟ أليست الدعوة إليها من الأمر بالمعروف؟. فأولئك الذين يتحركون في أوساط الناس يدعون الناس - ويقدمون أنفسهم كناصحين مشفقين على هذا أو ذاك - إلى ما يخالف هذه الآيات، إلى ما يخالف هذه الدعوة التي دعانا الله إليها أليس عملهم من المنكر؟ أليس عملهم منكراً؟
إذا كانت هذه آيـات ووثقنا بها بأنها آيات أتتنا ممن هو أرحم الراحمين، أتتنا ممن يعلم السر في السماوات والأرض، أتتنا ممن يعلم الغيب والشهادة ويقول بأنها هداية لنا {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُوْنَ}، ثم ينطلق أحد من الناس ليدعونا إلى ما يُثَبِّطنا عن العمل بها، فعندما يبدو مشفقاً يبدو وكأنه ناصح لا ينبغي إطلاقاً أن نلتفت إليه، سواء كان مشفقاً في واقع الأمر وناصحاً..، نقول: أنت لا تفهم. شكراً لك على نصيحتك، وشكراً لك على إشفاقك لكني أرى أن الله سبحانه وتعالى هو أنصح لي منك، وأرحم بي منك، وأشفق عليّ منك وأهدى لي منك، أليس بالإمكان أن نقول لأي شخص؟.
أما إذا كان شخصاً آخر نرى أنه ممن يتحركون في التخريب، وتثبيط الأمة عن الدعوة إلى ما دعاها الله إليه فبالأولى أن نعرض عنه، بل أن نظهر في وعينا بالشكل الذي يحطم أعماق مشاعره بأن من المستحيل أن يؤثر علينا، كما قلنا لكم سابقاً عن نبي الله موسى عندما قال: {رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ}(القصص: من الآية17) أنه رسخ في نفسه نوعاً من المشاعر الواعية التي تجعل الطرف الآخر من المستحيل أن يقدم لموسى كلمة يتأثر بها، وما أعظم أن تصل إلى هذا المستوى بوعيك: أن يراك الآخر صخرة أمامه لا يمكن أن يؤثر فيك، وأن أي كلمة تنطلق من فمه نحوك ستتحول إلى شظايا، تتحول إلى فُتَات، إلى بخار لا تؤثر فيك بأي أثر.
عادةً من يتحول نحوك ليقدم لك هذه الكلمة أو هذه ويصبغها بصبغة أنه مشفق عليك وناصح لك إنما انطلق لأن لديه أمل في أن يؤثر عليك.
نحن بحاجة إلى أن نظهر في وعينا في سلوكنا في أعمالنا في جدنا في اهتمامنا إلى درجة تحطم معنويات المخربين من المنافقين والمرجفين والذين في قلوبهم مرض، فييأسون فيضْمَحِلُّون ويتضاءلون أمام ما يلمسونه من كل شخص منا, من جِدِّه واهتمامه ووعيه، فيرون الناس كتلاً من الصلب تتضاءل نفسياتهم وتضمحل ويتلاشون شيئاً فشيئاً حتى يصبحوا في المجتمع لا قيمة لهم، وحتى يصل إلى درجة أن لا يعرف ماذا يقول وبماذا يتفوه معي أو معك، تضطرب المسألة لديه، يتلَجْلَج الباطل في فمه، فلا يعرف ماذا يقول وماذا يعمل.
إذا وصلت الأمة إلى وعي من هذا النوع فلو اتجهت عشرات المحطات والقنوات الفضائية ومحطات الإذاعة نحو مجتمع من هذا النوع كل ذبذباتها ستنطلق إلى الجو ولن تصل إلى أرض نفسيتك لن تؤثر فيك. كما وصل إليه الإيرانيون في أيام [الإمام الخميني] كانوا على هذا النحو حملوا وعياً رهيباً وعياً عالياً.
لكن المجتمع الذي يبدو أفراده حتى المتدينون فيه وطلاب العلم وحملة العلم يبدو وكأنهم أغبياء مساكين لا يفهمون شيئاً ولا يعرفون شيئاً فيتحرك هذا بنشاط، وهذا المنافق بنشاط، وهذا الذي في قلبه مرض بنشاط، وهذا المرجِف بنشاط؛ لأن الساحة تدفعهم نحو هذا، هم يأملون أن يغيروا يأملون أن يؤثروا، يرون الناس يتحركون أمامهم وهم يمكن أن يكونوا ضحية كلمة واحدة فينشطون.
دروس من هدي القرآن الكريم
سورة آل عمران - الدرس الثالث
القاها السيد /حسين بدر الدين الحوثي
بتاريخ: 11/1/2002م
اليمن - صعدة