موقع أنصار الله | من هدي القرآن الكريم |

ويقول سبحانه وتعالى: {وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ} (القصص70) هو من لـه الثناء، من لـه المجد في الدنيا في هذا العالم وفي الآخرة، هو المقدس، والمن‍زه عن كل نقص، وعن كل قبيح، وعن كل عيب في هذه الدنيا وفي الآخرة. 
والدنيا والآخرة عالَمان الإنسان لا بد أن يمضي فيهما، نحن في هذه الدنيا في عالم الأولى، ولا بد أن نَفِدَ ونتحرك جميعاً إلى عالم الآخرة.. فمن هو هناك الملك في اليوم الآخر؟ أليس هو الله سبحانه وتعالى, فهو هناك من له الملك وحده، لا أحد يستطيع أن يتصرف في شئون عباده في اليوم الآخر.

وهو هو سبحانه وتعالى المستحق للحمد والثناء والمجد في الدنيا وفي الآخرة، وهو هو من لا يمكن أن يتنكر لك، فإذا ما وعدك هنا في الدنيا فقد يخلف في الآخرة. لا.. هو من ستكون رحمته بك في الآخرة أعظم وأعظم، وسيبدو لك إحسانه إليك في الآخرة أكبر وأكبر مما حصل في الدنيا.

وكونه مستحق للحمد هو لكماله, لقدسيته، فهو, هو الكامل في الدنيا وفي الآخرة، فلا يمكن أن تخشى أن يتغير لديه مزاج كما يحصل للناس في هذه الدنيا، قد تجد شخصاً وفياً معك, وصادقاً معك فترة، ثم تلمس فيه أنه بدأ يتغير مزاجه، وبدأ يقلب وجهه عنك، قد يصدق معك في موقف معين، ثم يأتي موقف آخر فتراه تغير وتبدل وقعد عنك .. ألست ترى بأن هذا الشخص قد اعتراه نقص, قد علاه نوع من النقص، وسوء الخلق؟ فأنت تنظر إليه أنه أصبح يستحق الذم؟ أليس كذلك؟ بل قد تنطلق أنت لتذمه بعبارات قاسية تطلقها من فمك، أما الله سبحانه وتعالى فهو مَن سيكون شعورك نحوه في الآخرة أعظم مما كنت عليه في الدنيا، تتجلى رحمته لك أعظم، وإحسانه إليك أكبر، وتأتيك البشارات الواحدة تلو الأخرى وأنت في موقف الحساب، فالناس تشخص أبصارهم من شـدة الهول، وأنت هناك مطمئن {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} (يونس:62)      {يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ} (الزخرف:68) 

يكون أولياؤه - والناس في شدة الحساب - مَن هم متكئون وجالسون على أرائك، والأرائك هي [الكنب] كما نقول في الدنيا، المقاعد الملبسة بالفراش، يقدم لهم الشراب, ويقدم لهم الطعام قبل أن يزفوا إلى الجنة، والناس هناك في هول شديد. 
الله من لا يمكن أن تخشى منه أن يتغير أو يتبدل؛ لأن كماله هو كمال ذاتي, وكماله هو الكمال المطلق، إذاً فلماذا لا تثق به؟ لماذا لا تعظم ثقتك به؟ أنت قد تثق بشخص هنا في الدنيا حتى ولو كان رئيس دولة، وأنت تعلم بأنه من المحتمل أن يموت اليوم أو غداً، من المحتمل أن يحدث عليه انقلاب اليوم أو غداً، فيصبح مسكيناً لا يستطيع أن يعمل لنفسه شيئاً فضلاً عن أن يعمل لك شيئاً. أما الله فهو من لا يمكن أن يغيره نقص يعتريه، أو إله آخر يقهره, متى ما وثقت به هنا في الدنيا؛ لأنك تراه هو أهل المجد، وأهل الحمد, وأهل الثناء، كذلك ستجده في الآخرة هو أهل المجد, وأهل الحمد, وأهل الثناء لا يتخلف عنك، ولا يتغير أمامك, ولا يتبدل. 

{وَلَهُ الْحُكْمُ}(القصص: من الآية70) هو من لـه الحكم هنا في الدنيا, وله الحكم في الآخرة أيضاً, له الحكم في الآخرة في يوم الفصل، لا أحد يستطيع أن يشفع لأحد إلا بإذنه، ولمن ارتضى من عباده، كل عباده يقفون صامتين بين يديه فلا تسمع إلا همساً {وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً}(طـه: من الآية108) كل أولئك الذين كانوا يتجبرون في هذه الدنيا, ويطلقون العبارات القاسية ضد المستضعفين من عباد الله، هم مَن سيقفون أذلاء بين يدي مَن أنت تتولاه، هم من ستضحك منهم, وتسخر منهم في الآخرة كما سخروا منك في الدنيا, وكما كانوا يضحكون عليك في الدنيا {فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ}(المطففين35).

في يوم الحساب مرتاحين تقدم لهم [مَدَاكِي] يجلسون عليها، وشراب وأكل، وهم يضحكون من الآخرين، وهم من قد شخصت أبصارهم، هم من قد كادت أفئدتهم أن تخرج من صدورهم من شدة الخوف والهلع، فترى كم كان لتوليك لله سبحانه وتعالى من أثر عظيم.
 في ذلك اليوم الشديد الأهوال ترى أن من توليته هو من رفعك في ذلك المقام العظيم، فأمَّنك في يوم الهول الشديد، فتصبح أنت مَن تضحك, ومن تسخر من أولئك الكبار، الذين كانوا في الدنيا يضحكون من أولياء الله، ويسخرون منهم، ويتهددونهم، ويستضعفونهم، ويتجبرون عليهم. 
والفارق كبير جداً، في هذه الدنيا فترة قصيرة نعيش فيها جميعاً نحن والمستكبرون، نحن ومن يسخرون منا، نحن ومن يضحكون منا، لكن هناك في اليوم الآخِر هو عالَم الخلود الأبدي، سيكون مَن هو آمن آمن دائماً، من هو ذليل ذليل دائماً، من هو خائف، خائف دائماً في قعر جهنم. فالفارق كبير جداً؛ لأن من توليته هو من له الحكم في الآخرة، ومن إليه يُرجع الناس جميعاً، وأنت منهم سترجع إليه فترى الجزاء الحسن, وترى الثواب العظيم على توليك لـه، ورجوعك إليه في الدنيا، يوم كنت ترجع إليه في كل أحوالك, وتتجه إليه في كل أعمالك. 


دروس من هدي القرآن الكريم 
معرفة الله عظمة الله - الدرس الثامن
ألقاها السيد/ حسين بدر الدين الحوثي 
بتاريخ: 26/1/2002م
اليمن - صعدة