موقع أنصار الله | من هدي القرآن الكريم | 
 

وهكذا, يقولون: هذه عقيدة أهل السنة والجماعة، هذه عقيدتنا, وهذا دليلها من القرآن {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ}(الأنعام: من الآية101)، والمعاصي هي أشياء إذاً هو الذي خلقها!!.

القرآن الكريم هو كتاب عربي, بلسان العرب, بأساليب العرب، ونحن نستخدم هذه العبارة, والقرائن المحيطة بها، والجو الذي تقدم فيه، الطرف الآخر الذي تتحدث معه هو من يعرف ماذا تعني, عندما تقول:[نحن تغدينا عند فلان وقدم لنا من كل شيء] ألسنا نقول هكذا؟ هل سيفهم ذلك أنه قدم لكم من كل شيء في الدنيا في السماوات والأرض؟ لا. من الأشياء المعلومة المعروفة.

فنقول: هذه الأشياء التي تشاهدونها, هذه الأشجار هذه الجبال والأحجار، هذه الدواب، هذه الكواكب، هذه السحب الله هو الذي خلقها {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ} من هذه الأشياء، لأن الناس بفطرتهم لا أحد يتبادر إلى ذهنه أن يقول: إذاً هو خلق أفعالي؛ لأن كل إنسان بفطرته, بل الدواب بفطرتها تعرف أن أفعالها منها, أنها هي التي انطلقت فيها؛ ولهذا ترى القط, ترى الكلب عندما يعمل عملاً هو يعرف بأنه عمل غير مسموح به, يدخل من باب البيت فمتى ما سمعك أنك قريب من البيت يهرب بسرعة؛ لأنه يعرف أنه هو قد ارتكب خطأً, دخل البيت وليس من حقه أن يدخل البيت. القطُّ قبل أن يتناول [اللحمة] أليس هو ينظر هنا وهنا قبل أن يتناولها هل أحد يراه ثم يقفز وينطلق بسرعة؟ وإذا لم يكن أحد عنده أكلها مكانها, فعندما يسمع أحداً قادماً إليه يأخذها ويهرب بسرعة.. هكذا حتى الحيوانات تعرف أن أفعالها منها.

من منا ممكن أن يتبادر إلى ذهنه أنه عندما يشرب, عندما يأكل أن الله هو الذي خلق هذا الفعل وأنا آكل, يمكن تقول هو الذي خزن هو الذي دخن! خلق التدخين خلق التخزين؟! هذه أفعالنا نحن، والحيوانات لها أفعال تختص بها. لا يتبادر إلى الذهن، لكن الطواغيت, وعلماء السوء هم من أجل خدمة السياسة الفاسدة, خدمة الطواغيت يحمِّلون الله كل سوء, وينسبون إلى الله كل قبيح فيشبهون على العوام من الناس، فمتى ما رأينا معاوية بطغيانه وقبحه نقول: الله هو الذي ولاه، والأعمال التي تصدر من معاوية الله هو الذي خلقها! فأصبح معاوية مقبولاً بكل ما هو عليه؛ لأنه كله من الله, هو الذي ولاه, وهو الذي خلق أفعاله!! فمن الذي سيستثار ضد معاوية إذا أو أشباه معاوية وهو يعتقد هذه العقيدة؟!.. أليسوا هم من دَجَّنُوا أنفسهم ودجّنوا الأمة للظالمين بعقائد مثل هذه؟ هم من أساءوا إلى الله إساءة بالغة.

فسبحانه وتعالى ما أعظم حلمه عنهم، وهم من ينطلقون في عباداتهم، وأنت عندما ترى ما في كتبهم من عقائد باطلة, وتراهم يتعبدون ستحكم بأنهم يتعبدون لغير الله، وأنهم يتعبدون لمن؟ أنت كيف تقول: (( سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر )) فتثني على من تعتقد أنه وراء كل فاحشة وقبيح؟! هذا تناقض.

ثم أنت تجعل العقيدة الباطلة في قلبك, والمنطق الصحيح على لسانك فقط, والله يتعامل مع من؟ مع القلب أو مع اللسان؟ مع القلب. بل لو انطلقت من لسانك كلمة كفر تكره عليها وقلبك مطمئن بالإيمان لا يضر، لكن أن يكون قلبك مطمئناً بالكفر وتنطلق من لسانك كلمة إيمان لا تنفع ولا قيمة لها. يقرؤون القرآن أحياناً ويبكون, وفي الصلاة يسبحون: سبحان ربي العظيم وبحمده. اسأله عن ربه بعد سيقول لك: هو الذي يقدر كل شيء إذاً فلماذا تسبحه؛ لأن التسبيح لله يعني: تن‍زيه له عما لا يليق بكماله، وأنت الآن نسبت إليه بأن تلك الفاحشة التي اقترفها فلان, تلك الجريمة التي ارتكبها فلان الله هو الذي قدرها, هو الذي خلق الفعل الذي انطلق من هذا الشخص وهو ينفذ الجريمة! فكيف تسبحه! وكيف تلعن الشيطان وهو لم يعمل إلا أقل مما عمله ربك الذي قلت بأنه خلق الفاحشة, وقدرها وساق ذلك الشخص إليها رغماً عنه!. إنهم متناقضون .. عقائد خبيثة, عقائد تتنافى مع القرآن الكريم بشكل مفضوح.

ثم لا ينفع أن يقولوا: ((سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر)) أو يقول: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}(الفاتحة: من الآية3) ألم ينطق بكلمة: {الْحَمْدُ} لكن كما قلت سابقاً؛ لأن بعض الناس يقول: كيف هم هؤلاء يقولون مثلنا يسبحون الله ويحمدون الله ويمجدون الله!. نقول: لكن فيما إذا كان الواقع على هذا النحو: أن قلوبهم تعتقد عقائد باطلة وفقط ألسنتهم تقول بهذا فما يصدر من ألسنتهم إنما هو شهادة على قبح اعتقادهم، وهو نفس المنطق الذي استخدمه القرآن مع الكافرين الذين كانوا يجعلون مع الله آلهة أخرى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ} (الزخرف:9) ويردد في آيات أخرى, {ولئن سألتهم..} ثم بعدها يقول: {قل أَفَلا تَعْقِلُونَ . أَفَلا تَتَّقُونَ . أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ}

إذاً أنتم تقولون: بأن الله هو الذي خلق السموات والأرض, إذاً فلماذا تجعلون معه آلهة؟ أنت من تقول: الحمد لله، وتقول: سبحان الله, إذاً فلماذا تعتقد بأنه مصدر القبائح؟ نفس المنطق, ونفس الأسلوب. فأولئك عندما كانوا يقولون: {خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ} الله هو الذي خلقنا، ألم يجعل هذه حجة عليهم وشهادة انطلقت من ألسنتهم على بطلان ما يعتقدون من أن هناك آلهة مع الله؟. نفس الشيء أنت عندما تقول: سبحان الله والحمد لله وأنت تعتقد أن الله هو مصدر القبائح والفواحش, هو الذي خلقها وقدرها، فأنت تشهد على نفسك، وقولك حجة عليك يشهد ببطلان ما تعتقد، إذاً فلماذا لا تتحول عن هذا الاعتقاد الباطل.

أما أن آتي أنا وأقول: هذا الاعتقاد لا يضر؛ لأني سمعتك تقول: سبحان الله والحمد لله، إذاً سأقول لذلك النبي عندما يقولون: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ}(الزخرف: من الآية87) سأقول له إذا خلاص هم يقولون الله، إذاً فالمسألة انتهت إلى مجرد حجر يطوفون عليها فلا تضر هذه المسألة، أو أنهم جعلوا هذا إله، هم ما نسبوا إليه أنه خلق, ولا نسبوا إليه أنه رزق, ولا نسبوا إليه أنه من يدبر الأمر، ولا نسبوا إليه أنه من خلقهم، ولا شيء, إذاً لم يعد إلا مجرد خرافة لا تضر ولا شيء فلماذا نتقاتل نحن وإياهم عليها؟.. هل هذا منطق؟ على هذا الأساس ممكن أن يكون منطق، لكن القرآن رفض هذا الأسلوب. إذا كنت من أتأول لك وأنت صاحب هذه العقيدة الباطلة؛ لأنه انطلقت من لسانك كلمات: {الْحَمْدُ لِلّهِ} وكلمات: {سُبْحَانَ اللهِ} فأقول: خلاص.. إذاً سأقول: خلاص لذلك المشرك بعد أن قال: الله هو الذي يدبر الأمر، الله هو الذي خلق السماوات والأرض, الله هو الذي يرزق، الله هو الذي ين‍زل من السماء ماء.. هكذا ورد اعترافهم بهذا نقول: خلاص يا محمد, خلاص يا نوح، خلاص يا فلان, خلاص.. انتهى الموضوع.. ماذا تريدون منهم.. نقوم نتقاتل إحنا وإياهم وهم ذولا معترفين أن الله هو الذي عمل كل شيء، فقط تعتبر مجرد خرافة أنهم نصبوا حجر يقولون: أنها إله وهم ذولا يقولون أنها ما سوت شيء..  لاحظ هل هذا منطق قبله القرآن؟ لا. بل اعتبر اعترافهم شهادة على بطلان اعتقادهم بجعل هذا إله حتى وإن كانوا لا ينسبون إليه شيئاً مما هو يختص بالله سبحانه وتعالى.

{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا} قالوا {إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ}(المائدة: من الآية73) وهل الله في واقعه ثالث ثلاثة؟ لا. هل يمكن أن أقول لكن الله ليس ثالث ثلاثة وهذه مجرد كلمة شلتها الرياح، كفروا وإن لم يكن إلا مجرد قول.

 

وفعلاً الشرك لا حقيقة له.. هل للشرك حقيقة؟. هل لله شركاء حقيقيون؟. لو كان لله شركاء حقيقيون لكان الشرك حق، فالشرك باطل أي لا أصل له, ولا حقيقة له. طيب.. كونه لا حقيقة له ولا أصل له.. وهو مجرد خرافة، إذاً خلاص لا يضر. لا, يقتل صاحبه وإن كان هذا لا أساس له. ماذا يعني لا أساس له؟ أي ليس واقعاً, وليس هناك شريك لله حقيقة, وفي واقع الأمر.

كذلك عندما قالوا: {اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ} هل الله ثالث ثلاثة؟ لا. الله إله واحد {إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ}(النساء: من الآية171)، لكن هم كافرون, وسيدخلون جهنم, وسيخلدون في جهنم, ويجب قتالهم. أن آتي وأقول: يا أخي هذه كلمة تشلها الرياح وكلنا عارفين أن الله سبحانه وتعالى إنما هو إله واحد فإذا قالوا أن الله ثالث ثلاثة قد مريم والمسيح قد هم آلهة سيصبحون آلهة حقيقيين لمجرد هذا القول؟ لا. إذاً ما تضر المسألة!.. هل هذا المنطق قبله الله؟. لا. هم كافرون, هم كافرون.

إذاً فجاءت كلمة: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ} في مقام الثناء على الله سبحانه وتعالى, وهو يعلم أننا نفهم, وأننا بفطرنا لا يمكن أن يتبادر إلى أذهاننا أن هناك ما نعمله من معاصي هو أيضاً داخل تحت كلمة: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ}، الناس عرب والناس يفهمون في تخاطبهم ماذا تعني العبارات المطلقة أنها مقيدة بالقرائن الحالية, بالقرائن المقالية, بما يحيط بالكلام من ملابسات, وقرائن، بل لا يتبادر إلى الذهن شيء من هذا.

 

دروس من هدي القرآن الكريم 
معرفة الله عظمة الله - الدرس الثامن
ألقاها السيد/ حسين بدر الدين الحوثي 
بتاريخ: 26/1/2002م
اليمن - صعدة