الحرمان المستمر منذ بداية العدوان إلى اليوم من الثروة النفطية والغازية، التي لها دورٌ أساس في توفير المرتبات من عائداتها، في الاستفادة من عائداتها في الخدمات الأساسية في البلد، ولاسيَّما خدمات الصحَّة والتعليم، وهم يصرِّحون ويكشفون عن أهدافهم، أنها هي الوصول بهذا الشعب إلى حالة الانهيار التام، من أجل أن يستسلم لهم، ويخضع لهم، ويتمكَّنوا من السيطرة عليه من جديد، وهم يصرِّحون بهذا في كثيرٍ من تصريحاتهم، يعني: هي مسألة واضحة، أنهم يريدون، من خلال صناعة المعاناة الرهيبة لشعبنا العزيز، أن يصلوا به إلى حد الانهيار التام: خلخلة للوضع الداخلي، ونشاط استقطابي، وتفكيك للمجتمع، عمل استخباراتي مكثَّف، استهداف أمني، استهداف عسكري، استهداف سياسي، حملات إعلامية هائلة، حرب نفسية... كل أشكال الاستهداف التي وجَّهوها ضد شعبنا العزيز، ليصلوا وفق أهدافهم به إلى حالة الانهيار، ومن ثَمَّ الاستسلام لهم، واستعادة السيطرة الكاملة عليه من جديد، والمصادرة لحُرِّيَّته، لاستقلاله، لكرامته، والاستعباد له من دون الله، والسيطرة الكاملة على كلِّ ثرواته من جديد، وتحويل هذا الوطن في كلِّ مواقعه الاستراتيجية إلى قواعد عسكرية لهم، عملوا على ذلك، اشتغلوا لخلخلة الوضع الداخلي بشكل مكثَّف، الاستقطاب بشراء الولاءات والذمم، الإثارة للمشاكل والأزمات والاستثمار فيها... وغير ذلك، أعمال كثيرة جدًّا، الاستهداف الأمني... إلى غير ذلك.
بذلت الأجهزة الأمنية جهودًا كبيرة، في التصدي للخلايا الإجرامية، والخلايا الاستخباراتية المعادية لشعبنا العزيز، التي كانت تنشط لخدمة أولئك الأعداء.
أضرار الحصار مع طول المدَّة والتراكمات تزايدت، ولاسيَّما كما شرحنا: أنَّ تسعين بالمائة- بحسب حتى اعتراف الأمم المتَّحدة- من احتياجات اليمن، بما فيها الغذائية، يعتمد فيها البلد على الاستيراد من الخارج، فالقيود أثَّرت جدًّا، الاستهداف للعملة المحلية، الاستهداف لشعبنا العزيز في كل المجالات، والنتيجة هي: أنَّ الظروف المعيشية لشعبنا العزيز وصلت إلى حالة المأساة الكبرى، ووصلت إلى وضعٍ كارثي لا يمكن أبدًا التجاهل له، والتغاضي عنه كما شرحنا؛ لأنها معاناة رهيبة جدًّا، باعتراف الأمم المتَّحدة، باعتراف المنظَّمات الأجنبية.
الأمم المتَّحدة قدَّرت أنَّ: [أكثر من اثنين وعشرين مليون شخص في اليمن، سيحتاجون إلى مساعدات إنسانية وخدمات حماية في العام 2026م]، يعني: هذا العام الذي نحن فيه، يعني: إلى هذا الحد من المعاناة الكبيرة، انعدام القدرة الشرائية، حالة الفقر التي وصلت إلى مستوى قاسٍ جدًّا، تحت خط الفقر.
أيضًا في التقرير- تقارير الأمم المتَّحدة بنفسها- أنَّ: [أكثر من ثمانية عشر مليون شخص في اليمن يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي]، يعني: أزمة حتى في الحصول على الطعام، على الغذاء الضروري، [فيما يعاني أكثر من مليوني طفل دون الخامسة من سوء التغذية الحاد]، هذه الوضعية الكارثية هل يمكن أن ننتظر إلى ما هو أسوأ منها: أن يموت أبناء هذا الشعب في مجاعات تنتشر في كل الأرياف والمدن، أو أن يصل الحال في الانهيار في الوضع الصحي كذلك إلى أسوأ مما قد حدث؟!
وزارة الصحَّة العامة نشرت إحصائيات وتفاصيل مؤلمة للغاية، تبيِّن حجم المعاناة التي صنعها الأعداء، صنعها الأعداء ضد هذا الشعب، يعني: حالة استهداف، وزارة الصحَّة ذكرت أنَّ: [تداعيات الحصار، ونقص الأدوية، والرعاية الصحِّيَّة أدَّى إلى وفاة أكثر من مليون وأربعمائة ألف يمني]، عدد هائل، عدد كبير جدًا، يعبِّر عن مأساة حقيقية في الوضع الصحي في البلد، في نقص الخدمات، نقص الرعاية، [انعدام مائة وعشرين صنفًا من أدوية الأمراض المزمنة]، الإمكانيات في الرعاية الصحِّيَّة إمكانيات وصلت إلى نقطة الصفر بالنسبة للجانب الرسمي، والجانب الشعبي كذلك، الحالة مأساوية بكل ما تعنيه الكلمة.
الجهات الرسمية في البلد نشرت إحصائيات مفصَّلة ودقيقة عن آثار العدوان، وآثار الحصار، الأضرار الناجمة من العدوان، ما فعله المعتدون بهذا البلد، وما نتج عن ذلك، وأيضًا الحصار كذلك، وأعلنوا عنها في مؤتمرات صحفية، ونشروها في وسائل الإعلام، وهي متوفِّرة ومتاحة لمن يريد الاطلاع؛ ليعرف أننا شعبٌ مظلومٌ مظلوميةٌ عظمى كبيرة، من أكبر المظلوميات على وجه الأرض، وشعب له قضية حقيقية، وحينما يتحرَّك لمواجهة أولئك الظالمين، الذين ظلموه كلَّ هذا الظلم، صنعوا له هذه المعاناة، فهو يتحرَّك بحق، بحقٍّ مشروع بكل الاعتبارات: الشرعية، القرآنية، الإسلامية، الإنسانية، القانونية... بكل الاعتبارات؛ وليس تحركًا بدون قضية، لإثارة مشاكل في المنطقة، أو ليسبب للآخرين الإشكالات والإزعاج هكذا؛ لأنه يتحرك بشكل فوضوي، بدون مبرر، أو لخدمة أجندة خارجية أخرى.
نحن- فعلًا- في هذه المرحلة نستفيد من الظروف الدولية والإقليمية، التي انشغل فيها الأعداء بالمواجهة الكبرى في المنطقة، خففت علينا نسبةً من الضغط والاستهداف، وهذه من الفرص المتاحة لنا، لكننا أصحاب قضية حقيقية واضحة، ونحن مستعدون أن نناقش، أن نجادل، أن نخاصم، أن نواجه كل الذين يحاولون أن يقدِّموا صورةً زائفة وباطلة عن حقيقة موقفنا، الذين يصوِّرون المسألة وكأننا مجرَّد مشاغبين في ظروف حرجة في المنطقة لصالح أجندات أخرى خارجية.
نحن في موقفنا المبدئي، والأخلاقي، والديني، والإنساني، نتضامن بكل ما تعنيه الكلمة مع شعوب أمَّتنا الإسلامية، وفي محور الجهاد والمقاومة، ونتعاون، ونعتبر أيّ عدوان أمريكي إسرائيلي صهيوني يستهدف أيَّ بلدٍ إسلامي، أنَّه يشكِّل خطرًا على هذه الأمة، وأنَّ من واجب المسلمين جميعًا أن يتعاونوا مع أي بلدٍ مسلمٍ تستهدفه أمريكا وإسرائيل، ولاسيَّما أنَّ الاستهداف يأتي أصلًا ضمن المخطط الصهيوني في المنطقة، الذي هو خطر على كلِّ أبناء هذه الأمة وبلدانها وشعوبها، وشرحنا حيثيات وخلفيات موقفنا كشعبٍ يمني كثيرًا وكثيرًا.
ولكننا أيضًا أصحاب قضية حقيقية، ومظلومية كبرى، هي من أكبر المظلوميات على وجه الأرض، والمعاناة التي يعانيها شعبنا العزيز، من أكبر المعاناة لشعبٍ من الشعوب في هذه الأرض، في هذه الدنيا، في هذا العالم، فكيف يستكثر الآخرون علينا، وينزعجون مِنَّا، حينما نتحرك ضد العدوان، ضد الحصار، ضد الظلم الذي على شعبنا؟! مع أنهم لو يُطلَب منهم أن يقبلوا بمثل ما عليه حالنا، وما يفعله بنا السعودي، بإشرافٍ أمريكي وصهيوني، لَمَا قبلوا ذلك، وأي شعب في العالم، أي شعب حر ما كان ليقبل بذلك.
كلمة السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي بمناسبة العيد الثاني عشر لثورة الـ21 من سبتمبر 2026م-1448هـ