في الأزمنة التي تُشنّ الحروبُ على الوعي قبل الأرض، وتختلطُ المفاهيم، يبرُزُ رجالٌ استثنائيون ينهضون بمسؤولية البيان وكشف الحق، ويقفون في مواجهة سيلٍ جارف من الشبهات والعقائد المنحرفة.
وفي هذا السياق التاريخي المعقّد، تجلّت شخصيةُ الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي -رضوان الله عليه-، بوصفها علامةً فارقةً في مسار الوعي الإسلامي، وصوتًا قرآنيًّا صادقًا أعاد للأُمَّـة بُوصلتها، وربطها من جديد بمصادر الهداية الأصيلة.
لقد ظهر الشهيدُ القائدُ في مرحلة كانت الأُمَّــة فيها مستهدفة في عقيدتها وهُويتها، حَيثُ تكاثفت الجهود لتفريغ الإسلام من محتواه الحقيقي، وتشويه مفاهيمه، وإقصاء رموزه الأصيلة، وفي مقدمتهم العترة الطاهرة.
وسط هذا المشهد الملبّد، لم يقف موقف المتفرج، بل تحَرّك بوعي عميق، مستندًا إلى منهج قرآني أصيل، ورؤية مستمدة من الإرث النبوي، فكان حضوره فكريًّا، وفعله عمليًّا، وخطابه موجهًا للعقل والضمير معًا.
امتلك الشهيدُ القائد قدرة فريدة على استيعاب روح القرآن الكريم، بوصفه مشروع هداية متكامل، ومنهجًا لفهم الواقع وتحليله وكشف زيفه.
ومن هذا المنطلق، تعامل مع القرآن؛ باعتبَاره المرجعيةَ العليا التي تُوزن بها الأفكار، وتُقاس بها المواقف، وتُفنّد على ضوئها الشبهات.
فكان خطابه القرآني حيًّا، متصلًا بالواقع، قادرًا على تفكيك الخطاب المضلِّل، وكشف تناقضاته، وتعريته أمام الناس بالحجّـة والدليل.
وفي خضم تصاعد الحملات الفكرية التي روّجت لعقائد منحرفة وأيديولوجيات دخيلة، أدرك الشهيد القائد أن أخطر ما يواجه الأُمَّــة هو الانحراف عن مصادرها الأصيلة، وأن أية محاولة لفصل القرآن عن العترة، أَو تهميش أهل البيت، تمثل مدخلًا خطيرًا لتزييف الوعي وتشويه الدين.
لذلك، أعاد الاعتبار لمكانة العترة الطاهرة، لا من باب العاطفة المُجَـرّدة، بل بوصفهم الامتداد الطبيعي لرسالة الإسلام، والنموذج العملي لفهم القرآن وتطبيقه، والميزان الذي تُعرف به الاتّجاهات الصحيحة من المنحرفة.
كان تفنيده للشبهات مشروعًا واعيًا لتعرية المضلِّلين وكشف زيف الخطاب الذي كانوا يروجونه، مستخدمًا أُسلُـوبًا عقلانيًّا رصينًا، يجمع بين البرهان القرآني والتحليل الواقعي، ويخاطب الإنسان في وعيه ومسؤوليته.
وقد نجح في إسقاط الأقنعة عن كثير من الدعاوى التي لبست ثوب الدين وهي بعيدة عنه، مبينًا أن تلك الأُطروحات لا تستند إلى حق، ولا تمتلك منطقًا، وإنما تخدم مصالح قوى الهيمنة والفساد.
وفي الوقت ذاته، لم ينحصر خطابُه في الجانب العقدي المُجَـرّد، بل امتدَّ ليعالِجَ قضايا الأُمَّــة المصيرية، كمسائل العدالة، والحرية، والاستقلال، وكرامة الإنسان، مؤكّـدًا أن الإسلام، في جوهره، مشروع تحرّر شامل، وأن العودة الصادقة إلى القرآن والعترة كفيلة بإخراج الأُمَّــة من حالة التيه والارتهان.
وهكذا، قدّم رؤيةً متكاملةً تجعلُ من الدين قوةَ بناء وتغيير، لا أدَاة تخدير أَو تبرير للظلم.
وكان وعيه بالفتن التي تعصفُ بالأمة نابعًا من فهمِه العميق للتاريخ الإسلامي، وما تعرَّض له النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم وأهلُ بيته من محن؛ فربط الحاضر بالماضي، واستخلص الدروس، محذرًا من تكرار الأخطاء ذاتها التي أَدَّت إلى إقصاء الحق وأهله.
لقد ترك الشهيدُ القائد -رضوان الله عليه- إرثًا فكريًّا حيًّا، لا يزالُ ينبضُ في وعي الأُمَّــة، ويشكِّلُ قاعدة صُلبة لمواجهة مشاريع التضليل والتمزيق.
إرثٌ استمدَّ قوتَه من القرآن الكريم، وتغذّى من نور العترة الطاهرة، واستطاع أن يضع للأُمَّـة منهجًا واضح المعالم، يعيدها إلى ذاتها، ويحفظ هُويتها، ويفضح كُـلَّ محاولة تستهدف عقيدتها ووعيها.
وسيظل هذا الإرثُ شاهدًا على أن الكلمة الصادقة، حين تنطلقُ من القرآن، قادرة على هزيمة أعتى حملات الضلال، وصناعة مستقبلٍ أكثر وعيًا وثباتًا.