في اللحظة التي تخلّت فيها الحروبُ الحديثة عن صخب المدافع لتستقر في صميم العقول، برزت الحروبُ الإدراكية كأخطر معاول الهدم للكينونة الإنسانية، حَيثُ لا يستهدفُ العدوّ فيها جغرافيا الأرض فقط، وإنما جغرافيا الكلمة والمعنى داخل الوعي والإدراك الجمعي للأُمَّـة.
لكن، وقبل أكثر من 22 عامًا، دشّـن الشهيدُ القائد حسين بدرالدين الحوثي –رضوان الله عليه– في العديد من أُطروحاته، مسارًا جديدًا لفيزياء اجتماعية، أعادت تركيبَ الهُوية الإيمانية التي شوّهتها آلةُ الاختراق والتضليل الصهيونية العالمية على مدى قرون.
في ملزمة "من نحن ومن هم؟" مثلًا، بدأ الشهيد القائد هذه المنهجية من حقيقة أن المجتمعَ المسلمَ هو شبكةٌ من التفاعلات المحكومة بالتصورات، وليس ركامًا من البشر داخل الأُمَّــة؛ فإذا فسد التصور حول الهُوية "من نحن؟" وحول الآخر "من هم؟"، انفرط عِقدُ الروابط الاجتماعية، وتحوّلت القوة الجماعية إلى ذرات مشتّتة يسهل استلابها.
وهذا ما يتجلى في عمق الصراع الراهن الذي يخوضه محور الجهاد والمقاومة ضد كيان العدوّ الصهيوني وقوى الهيمنة والاستكبار العالمية، حَيثُ تتجاوز الحرب الناعمة حدود التضليل الإعلامي لتستهدف الهندسة النفسية لأبناء الأُمَّــة، محاولةً زرعَ الهزيمة المسبقة في باطنه، والانفصام مع محيطه قبل أن تبدأ المعركة في الميدان.
والرؤية التي اجترحها الشهيدُ القائد في "من نحن ومن هم؟" قدّمت ترياقًا قرآنيًّا يعالج أخطر إصابات الحرب الناعمة، المتمثلة بـ"الاستلاب النفسي" و"فقدان الثقة بالله وبالهُوية"؛ إذ يعملُ العدوّ الصهيوني والأمريكي اليوم، عبر ترسانة هائلة من الصور الذهنية، على تصوير قوتهم كقدرٍ لا يُرد، محاولين إحداث حالة من الرعب المعرفي التي تؤدي إلى شلل اجتماعي شامل، يتفكك معها التفاعل الجماعي نتيجة الخوف واليأس الفردي.
هنا، ومنذ وقتٍ مبكر، انبثق "جهادُ التبيين" من المنظورِ القرآني ليعيدَ صياغةَ السيكولوجيا الاجتماعية، محوّلًا الخوفَ من العدوِّ إلى "خشيةٍ من الله"، وهي النقلة النفسية التي تحرّر المجتمع من عبودية الوَهْمِ الاستكباري؛ فقام الشهيد القائد بتشخيص طبيعةِ "هم"؛ باعتبَارهم "أعداء الله"، لانتزاع الهيبة الزائفة من قلوب المؤمنين، ووضع العدوّ في حجمه الحقيقي الذي رسمه القرآن كمجتمعٍ "مضروبٍ عليه الذلة والمسكنة".
هذا التحولُ النفسي هو الذي يفسّر صمودَ الشعب اليمني على مدى سنوات العدوان الماضية، وهو ما تتحلى به المقاومةُ اليوم في غزةَ ولبنانَ أَيْـضًا، حَيثُ فشلت كُـلُّ محاولات إدارة التصورات في كسر الإرادَة، لأن جهادَ التبيين في محاضرات وملازم الشهيد القائد، قد أعاد ربطَ المسلم بمصادر القوة الحقيقية "الثقافة القرآنية"، جاعلًا منها هُويةً إيمانية ودرعًا حصينًا ضد الاختراق.
وتجلّت أُطروحات الشهيد القائد كعمليةٍ جراحية لإعادة بناء النسيج الاجتماعي للأُمَّـة، وليس كفعلٍ ثقافي جامد؛ فهو يعملُ على كشف الالتباس الذي زرعته الحرب الناعمة، والحروب الإدراكية عُمُـومًا، وذلك الالتباس هو ما جعل المجتمعات تنظر إلى عدوها كمنقذ، وإلى هُويتها كعبء؛ مما أَدَّى إلى شللٍ في الاندماج بين أبنائها وتقاعسهم أمام الكثير من الأحداث والتحولات.
وحينما يُصحّحُ الشهيدُ القائدُ معرفةَ الإنسان المسلم بموقعه الوجودي وانتمائه الإيماني، فإنه يعيد ضبطَ بُوصلة التفاعُلِ الاجتماعي بالكامل؛ فتتحول العلاقات من الصراع البيني والشكوك المتبادلة إلى الوحدة القائمة على ارتباط الموقف والتوجّـه والمصير، وتنتقل بنية المجتمع من حالة التلقي السلبي لحرب العدوّ الناعمة والاستسلام لها، إلى حالة الإنتاج الفاعل للموقف وللمواجهة.
كما أن مفهومَ الارتباط بين المكونات الاجتماعية للأُمَّـة في رؤية الشهيد القائد هو ارتباط عضوي؛ فاستعادة تعريفِ "من نحن؟" بالمنظور القرآني تؤدي بالضرورة إلى تفكيك صورة "مَن هم؟" الزائفة، وهذا الفرز المعرفي هو الوحيد الكفيل بترميم شبكة العلاقات الاجتماعية داخل شعوب الأُمَّــة المختلفة، وحمايتها من التفتت والاندثار.
وبذلك تستقرُّ كينونةُ الأُمَّــة وحركتها في التاريخ، وتتحول من مُجَـرّد موضوع تُمارس عليه إدارة التصورات، إلى ذات فاعلة تمتلك زمام إدراكها، وتقرّر مسار تفاعلها الاجتماعي بعيدًا عن غبار التضليل، لتستقر في نهاية المطاف حقيقة الوجود الاجتماعي كبنيانٍ مرصوص لا ينهدم أمام أعنف الهجمات المعرفية.
لقد أراد الشهيدُ القائدُ أن نعيشَ لحظةً تاريخيةً يتجلَّى فيها "من نحن؟" كأمةٍ تحملُ مشروعًا إلهيًّا يتجاوز حدودَ المادة، مقابل "من هم؟" كقوى طغيان تتهاوى أُسُسَها الأخلاقية والنفسية أمام ثبات الموقف الإيماني، واستعادة المجتمع لثقته بربه وبمنهجه وبنفسه تعني بالضرورة انهيار شبكة العلاقات القائمة على التبعية والانبطاح، وولادة كينونة اجتماعية جديدة تتسم بالجسارة النفسية والتماسك العضوي.
والمتأملُ للروحية التي يحملها اليمنيون اليوم، بعد أن تجسدت مضامين رسائل التبيين لمؤسّس المشروع القرآني العظيم، يدرك أنها هي من حوّلت الحربَ الناعمة من أدَاة للهيمنة إلى فرصة للفرز الإلهي؛ حَيثُ سقط الزيفُ وتجلّت الحقائق، وتحوّلت الأُمَّــةُ من موقع الدفاع المادي والنفسي إلى الهجوم الاستراتيجي الذي سيفكِّكُ إمبراطورياتِ الوَهْم، ويبني فوقَ ركامها مجتمعَ العزة والسيادة المطلقة، بإذن الله تعالى.